ما تفاخر به اليمانيون قبل عشرة قرون قبل الميلاد من نظام الحكم والشورى ومبادئ الحكم الرشيد، تفاخروا به أيضا في التاريخ المعاصر، وسوف تدون أحداثه على صدر صفحاته وبين ثنايا سطور القرن الحادي والعشرين بفضل نسل الملك الحميري التبع اليماني الذي برز مجددا لمبدأ الشورى وموحدا لأرض الحضارة ومهد الديانات.
لم يصنع معجزات القرن الحادي والعشرين غير ذلك الزعيم اليمني العربي الشهيد الحي في قلوبنا، رغم رحيله إلى ربه تاركاً ما خلفه من مآثر شاهدة على تلك التحولات، يترحم عليه من نصب له العداء قبل الأصدقاء، وتتغنى باسمه الألسن كلما تنهدت النفوس المثقلات بالمعاناة صداحة: رحمة الله عليك يا علي عبدالله صالح، كان زمان علي عبدالله صالح.
ذهب وذهبت معه حرية اليمنيين الذين نزح الملايين منهم تاركين بلادهم، بعد أن عجزوا عن التعبير عن الرأي وحرية الإرادة، ومنع النقد وصودرت الملكية وفرض الفكر الرجعي فغادر الملايين تاركين وراءهم أمل العودة، متمنين ذلك الزمن الجميل زمن الماضي في عقود حكم خلالها علي عبدالله صالح رحمة الله تعالى تغشاه.
هذا ما سيكتب في الأسفار. وأنا أكتب هذه السطور، أدرك أن الكثيرين من الذين باعد الله بينهم وبين أسفارهم سيقولون: "يا رجال هذا مأجور ومرتزق رخيص"!
لكن دعهم، ليجيبك الناس الذين يبحثون عن آلاف الأسر والمعتقلين وآلاف الجرحى والمعاقين والمغبونين والضعفاء، الذين برحيل الرئيس السابق الشهيد علي عبدالله صالح أمطرتهم مصائب الدهر وهم لا يخفون مشاعرهم: سلام الله على عفاش.
لذلك مثّل يوم 17 يوليو 1978 منعطفا تاريخيا في حياة الإنسان اليمني وأصبح الشعب صاحب القرار في السلطة.
تحل علينا ذكرى انتخاب "رئيس الجمهورية العربية اليمنية" من قبل مجلس الشعب التأسيسي، المقدم علي عبدالله صالح، الذي قدم من ميدان العسكرية ومصنع الرجال مرتجلا:ً "أنا وكفني بيدي"، تاركاً لهم الخيرة، قبولا أو رفضا، رغم أنه كان بمقدوره أن يقود انقلابا عسكرياً، لكنه جسد الشورى والديمقراطية منذ وطئت قدماه طريق السلطة.
17 يوليو 1978 لماذا يوم خالد؟
باختصار، لأننا اليوم نعيش الحق الإلهي في الحكم، من يحكم فقط من ينحصر في البطنين، من يدعي أنه ابن النبي، من يترفع على اليمنيين من أصحاب الاصطفاء وسلالة السادة والأسر المقدسة. باختصار، لا أنت ولا ابنك ولا ابن ابنك يحق له أن يرتقي في سلم السلطة.
ونحن نمر بذكرى توليك السلطة في 17 يوليو 1978، بقدر ما يحزننا فراقك يا زعيم الشهداء نعتز ونفتخر بما جسدته في مراحل نضالك الوطني وما شيدته من صروح للعلم وبناء للإنسان اليمني الذي يبحث اليوم عن أبسط مقومات الحياة ويتجرع الأمرين، بعد أن صادرت المليشيا الرأي والفكرة والحرية والكرامة.
لقد كان وصول المقدم علي عبدالله صالح إلى السلطة مغرما يومها ولم يكن مغنما. فلقد تركها الجميع وأشفقوا منها. لكنه ركب المخاطر، ومد يده للتسامح وأطلق الحريات وتقبل النقد وأخذ يشيد صروح العلم ويرسي مداميك الديمقراطية وقواعد الحكم الرشيد دون إقصاء أو تهميش، معتزا بوطنه متمسكا بعروبته.
بين ذكرى انتخاب رئيس "الجمهورية العربية اليمنية" وتخليه عن السلطة، موسوعة من الدروس جسدها على أرض الواقع ولم تكن حكايات أو أساطير، يحدثك عن صعوبات وتعقيدات واجهته وتغلب عليها بحنكة القائد ودهاء الرشيد وصبر الحليم ومسايرة الحكيم. كانت مراحل حكمه مدرسة سياسية بامتياز.
رحمة الله تعالى تغشى الزعيم اليمني العربي الشهيد علي عبدالله صالح، لا ينكر مناقبه ومحاسنه إلا جاحد أو مكابر أو حقود.
جميع اليمنيين اليوم، بكل توجهاتهم، يناضلون ويقدمون التضحيات على أمل أن تعود اليمن حتى ولو إلى آخر يوم عرفوا به حاكمهم. وهذا بحد ذاته خير دليل على أننا سنظل نحدث به الأجيال وسوف يسجل التاريخ ١٧ يوليو ١٩٧٨ يوماً خالداً في تاريخ اليمن المعاصر.