وسلطت صحف عربية صادرة اليوم السبت، الضوء على دلالات تصويت الشعب التونسي لصالح الدستور الجديد، ورغبة التونسيين في تغيير النظام السياسي القديم الذي أظهر دولة بأكثر من رأس يتحرك كل منها في اتجاه مختلف.
الاصطفاف خلف الدولة
وفي صحيفة "البيان" قال الكاتب جمال الكشكي، إن "الشعب التونسي قال كلمته حول الدستور الجديد، صناديق الاقتراع كتبت رسائلها في التوقيت المناسب، لا مكان لحركة النهضة، وفروعها، ومؤيديها، وداعميها، وتونس الحضارة والثقافة والانفتاح تصطف خلف دولتها الوطنية".
وأضاف "الشعب التونسي أثبت القدرة على الالتفاف حول مفهوم دولته الوطنية، وحماية أمنها القومي، وتحقيق أكبر قدر من التئام الجروح السياسية التي نجمت عن العشرية السوداء، التي بدأت مع ما يسمى بالربيع العربي، فليس خافياً على أحد، أن الشعب التونسي، يدرك جيداً حجم المخاطر التي كانت ستترتب على الفوضى والتخريب اللذين كان مخططاً لهما".
وأشار إلى أن من دلائل هذا الاستفتاء، تأكيد فشل حركة النهضة، وروافدها، وتنظيمها الدولي، في التأثير على الشعب التونسي لمقاطعة الاستفتاء، الأمر الذي يكشف تآكل وزن وحضور هذه الجماعة والتنظيمات الإرهابية بين صفوف الشعب التونسي، وهو ما يعني أن فوز حركة النهضة في انتخابات السنوات العشر الأخيرة، كان ينطوي على أكاذيب وخداع أدركهما التونسيون هذه المرة.
وأوضح أن من رسائله أيضا، تأكيد قدرة الرئيس قيس سعيد، على تحدي كل الصعوبات والقوى المناهضة لاستقرار البلاد، فقد استطاع الرئيس التونسي تقدير موقف سياسي صحيح، تحكمه محددات الأمن القومي التونسي، والمصالح الإستراتيجية المستقبلية لتونس دون الاستسلام أو التفاوض أو التنازل أو المساومة على رؤيته لمستقبل تونس.
فشل "الإسلام الحركي"
وقال الكاتب محمد الرميحي في صحيفة "الشرق الأوسط"، إن "المشهد العام في تونس يشير إلى حقائق أساسية، وتفيض تلك الحقائق من تونس إلى معظم المشهد العربي منذ نهاية العشرية الأولى من هذا القرن".
وأضاف "الحقيقة الأولى هي بعربية فصيحة فشل الإسلام الحركي في تقديم نموذج حكم مدني حديث شفاف وديمقراطي تنموي، لقد قام ذلك الحكم على شعارات، ولم يقدم أي ابتكار في ممارساته للحكم، وضع الآيديولوجيا قبل الناس في وقت يتطلب الحكم الرشيد وضع الناس قبل أي آيديولوجيات! كان همه الاستحواذ والتخطيط لحكم طويل في معظمه قمعي".
وأوضح أن المجتمع التونسي على اتساعه لم يهضم التركيبة السياسية التي أصبحت تمثل دولة بأكثر من رأس، مضيفاً "شهد النظام السياسي تعطيلاً في المؤسسات ومحاصصة مسمومة، وتغييراً في الوجوه، وصراعاً في الظاهر من خلال الصناديق الانتخابية، وفي الواقع من خلال الحسابات البنكية، وبعضها ارتهن علناً إلى الخارج، ففرغت الخزينة التي أصبحت هدفاً مباشراً للقوى الجديدة، بعد أن استنزفها النظام القديم".
الاستفتاء في أرقام
وقال الكاتب في صحيفة "العرب" علي الصراف، إن "النحيب الديمقراطي الذي تنحبه الأحزاب التي رفضت المشاركة في الاستفتاء على الدستور التونسي الجديد، ممتع، إلا أنه لا يصمد أمام أبسط الحقائق، وهذه الأحزاب تستهين بنسبة المشاركة في الاستفتاء قائلة إنها أقل من أن يُعتد بها كدليل على تأييد الشعب التونسي للدستور الجديد".
وأضاف "الأرقام تقول إن عدد الذين شاركوا بالتصويت على الدستور بلغ 2.756.607 ناخب من مجموع 9.300.000 مؤهل للتصويت، أو ما يعادل 30.5%، إلا أن أعداد المشاركين في الانتخابات الرئاسية لعام 2014 شارك 3.339.666 ناخباً، أما في الانتخابات التشريعية للعام 2019 فقد شارك 2.946.628 ناخباً، وهذا العدد أعلى بعدد محدود للغاية، لا يتجاوز 338.780 ناخب من عدد الذين شاركوا في التصويت على الدستور الجديد".
وتابع "هذا الأمر يمكنه، أن يُبطل النحيب الديمقراطي الذي لم ينتحبه أحد لا في العام 2014 ولا في العام 2019، ربما لأن كل أحزاب الفوضى التي هيمنت على الحياة السياسية في البلاد، حصدت نصيباً من الكعكة، فلم تبك، بينما لم تكن هناك كعكة لتقاسمها هذه المرة، فارتفع النحيب إلى عنان السماء".
وقال: "الرئيس سعيد ليس له حزب، ولا يزمع أن يشكل حزباً، ولكن هؤلاء هم مؤيدوه، وقد ظهروا مرتين متتاليتين بالعدد نفسه تقريباً، ولسوف يظهرون مرة ثالثة في أيّ انتخابات رئاسية أخرى، وهو أمر مرعب فعلاً لكل قادة الأحزاب الذين قد يرغبون بمنافسته، وهم بنحيبهم الديمقراطي إنما يبكون حظهم العاثر".
وأضاف "قيس سعيد، كان من السهل عليه أن يحتل ثلثي مقاعد البرلمان، لو أنه كان حزباً، ويحتاج راكبو حمار السياسة في تونس أن يترجّلوا، وأن يتواضعوا، وأن ينظروا إلى الواقع بإمعان، وأن يفهموا أن الديمقراطية، إذا كانت أرقاما فقد خسروا بالأرقام، خسارة مجلجلة، وإذا كانت أعمال تنمية وبناء، فقد فشلوا فيها حتى انتخب مواطنوهم رجلاً من خارج السرب تماماً، نكاية بسوء مسالكهم هم بالذات حيال التحديات التي تواجه بلادهم".