وناقشت الصحف تقارير تدعو إلى احتواء الأزمة – التي تسببت فيها زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، إلى تايبيه الأسبوع الماضي – من قبل بكين وواشنطن عن طريق إعادة خطوط الاتصال بين البلدين مرة أخرى، بعدما أعلنت الصين عن قطعها ردًّا على الزيارة المثيرة للجدل.
من ناحية أخرى، سلطت صحف الضوء على الأزمة في قطاع غزة بعد يومين من الهدنة، وسط تقارير تتحدث عن أن اجتماعا جرى بين قادة حركة ”الجهاد الإسلامي“ الفلسطينية المسلحة وإيرانيين في طهران، كان أقوى دوافع إسرائيل للتعجيل بشن هجوم كان مخططا له منذ أشهر ضد الحركة.
بكين تواصل التصعيد
اعتبرت صحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية، أن إعلان الصين إجراء تدريبات جديدة بالقرب من تايوان، الاثنين، إشارة إلى أن بكين قد تواصل ”قرع طبول الضغط العسكري“ على الجزيرة بعد إجراء أكبر مناوراتها على الإطلاق في المنطقة ردًّا على زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بيلوسي، الأسبوع الماضي.
ونقلت الصحيفة عن قيادة جيش التحرير الشعبي الصيني قولها إنها تركز على إجراء ”عمليات مشتركة لمكافحة الغواصات والهجوم البحري“ في مكان غير محدد.
ورأت الصحيفة الأمريكية، أن التدريبات الأخيرة للصين تعطي إشارات صريحة ومباشرة بأن بكين تسعى إلى ”تطبيع وجودها العسكري“ حول تايوان؛ ما يسمح للقوات الصينية بممارسة ضغط بطيء على الجزيرة يتضمن قطع الكثير من الوصول إلى مجالها الجوي ومياهها.
ووفقًا للصحيفة، جاء إعلان الصين بعد يوم من اختتام جيشها للتدريبات لمدة 72 ساعة حول تايوان، في محاكاة فعالة للحصار.
وخلال تلك التدريبات، أطلقت الصين ما لا يقل عن 11 صاروخًا في البحر عبر شمال وجنوب وشرق تايوان، ونشرت سفنًا حربية وطائرات مقاتلة لمحاكاة احتلال الجزيرة.
وعن احتمال غزو الصين لتايوان، نقلت صحيفة ”الغارديان“ البريطانية عن كولين كال رئيس الشؤون السياسية بوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، قوله إن الأخيرة لم تغير التقييم الذي قدمه العام الماضي الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة، مارك ميلي، بأن الصين من غير المرجح أن تغزو تايوان في العامين المقبلين.
وأضاف كال، أن ”هدف بكين من التدريبات كان محاولة إخضاع تايوان والمجتمع الدولي من خلال التهديد بقطع عمليات الشحن عن المضيق“، وتابع: ”سنستمر في الطيران والإبحار والعمل حيثما يسمح لنا القانون الدولي بذلك، وهذا يشمل مضيق تايوان، وسنواصل الوقوف إلى جانب حلفائنا وشركائنا في المنطقة.“
وتعكس تصريحات كال، محاولات إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، للتقليل من أهمية التدريبات، حيث يقول المسؤولون إنها ”أكثر صخبًا من كونها مؤشرًا على نشاط عسكري“.
الخروج عن السيطرة
في سياق متصل، تساءلت مجلة ”ناشيونال إنترست“ الأمريكية حول ما إذا كانت الأزمة التايوانية ستخرج عن السيطرة، معتبرة أن قرار بيلوسي بزيارة الجزيرة ولقاء رئيستها قد دفع العالم إلى حافة الهاوية والقلق من تصعيد عسكري وشيك في مضيق تايوان.
وقالت المجلة في تحليل لها: ”لا يوجد شيء اسمه أزمة يمكن الفوز بها بين الولايات المتحدة والصين بشأن تايوان. ومع ذلك، يبدو أننا دخلنا في أزمة لا داعي لها من الأساس“. وأضافت: ”كانت رحلة بيلوسي خطوة خاطئة من البداية، وبغض النظر عن حسن النية، فإنها فشلت في تقديم فوائد ذات مغزى لتايوان. وفي المقابل، قدمت للصين ذريعة قوية للتصعيد العسكري والدبلوماسي الحاد“.
وتابعت ”ناشيونال إنترست“: ”كما توقع معظم الخبراء، أدت رحلة بيلوسي غير الحكيمة إلى اندلاع مواجهة تشكل مخاطر جدية على تايبيه وواشنطن على حد سواء. يجب أن تستعد الصين والولايات المتحدة الآن لنزع فتيل الأزمة التي أثارتها زيارة رئيس مجلس النواب الأمريكي إلى تايوان“. مضيفة ”يتمثل المبدأ الأول للإدارة الفعالة للأزمات بين الولايات المتحدة والصين في التوقف عن التصعيد الآخذ في الارتفاع في الأيام الأخيرة، والعمل على مواصلة الحوار المفتوح والمتبادل بين الطرفين، وتطوير مسار نحو خروج يحفظ ماء الوجه لكلا الجانبين في أقرب وقت ممكن“.
وأكدت المجلة أنه: ”يجب إنشاء قناة للتواصل بين الطرفين مرة أخرى – إذا كان ذلك ممكنًا – ربما من خلال تعيين محاورين موثوق بهم سابقًا، مثل وزير الخزانة السابق هانك بولسون، والمسؤول الكبير في مجلس الدولة الصيني، داي بينغو، لتقديم المشورة لحكوماتهم ونقل الرسائل المهمة“.
واختتمت ”ناشيونال إنترست“ تحليلها بالقول: ”يجب على المسؤولين الأمريكيين الذين يأملون في وقف التصعيد أن يضعوا في اعتبارهم الحساسيات التاريخية الحادة للصين. يجب أن يتجنبوا أيضاً في حديثهم أي إشارة إلى هزيمة أو إذلال صيني سابق، والتي قد يُنظر إليها عن غير قصد على أنها إهانة متعمدة، مما يزيد من عداء الصين“.
نتائج عكسية
في غضون ذلك، رأت مجلة ”فورين بوليسي“ الأمريكية، أن التوترات في مضيق تايوان جاءت بنتائج عكسية على اليابان التي دخلت في دائرة التهديدات الصينية جراء التدريبات العسكرية الأخيرة لبكين.
وقالت المجلة في تحليل لها: ”كانت للمناورات العسكرية الصينية حول تايوان تداعيات واضحة على اليابان. كان من الواضح أن عرض القوة العسكرية على بعد 70 ميلاً فقط من الأراضي اليابانية وإطلاق الصواريخ البالستية على المياه التي تسيطر عليها طوكيو، كانا بمثابة تحذير من أن البلاد تخاطر بجرها إلى أي صراع مستقبلي في المنطقة“.
وأضافت: ”في حين أن دوافع الصين في استهداف اليابان بشكل غير مباشر غير معروفة، فإن النتائج واضحة تمامًا. يجلب العمل العسكري المكثف بشكل مدهش إحساسًا جديدًا بالإلحاح لزيادة القدرة الدفاعية لليابان، وزيادة ميزانية الدفاع بشكل كبير، وربما وضع قواعد جديدة من شأنها أن تسمح للمرة الأولى بخطوات عسكرية استباقية إذا كانت اليابان في خطر“.
ونقلت المجلة عن محللين يابانيين قولهم، إن تصرفات الصين بمثابة ”تحذير مباشر“، خاصة فيما يتعلق باستضافة اليابان لأكثر من 5 آلاف من أفراد الخدمة الأمريكية، وهو أكبر انتشار خارجي للقوات الأمريكية في العالم.
وأضاف المحللون: ”كان الغرض من التدريبات الصينية هو تهديد اليابان بشكل مباشر وجعلها تدرك أنه إذا تعاونت مع الولايات المتحدة لاحتواء الصين أو منعها من إجراء عملية توحيد تايوان، فسوف يتم إلحاق الضرر بها“.
وتابعت ”فورين بوليسي“: ”تأتي عمليات إطلاق الصواريخ الجديدة في وقت مهم لليابان، حيث وعد رئيس الوزراء، فوميو كيشيدا، بزيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي لليابان.“
دوافع العدوان على غزة
من ناحية أخرى، ذكرت صحيفة ”التايمز“ البريطانية، أن اجتماعا عقد بين أعضاء من حركة ”الجهاد الإسلامي“ الفلسطينية وإيرانيين، قد عجل بـ“تحرك إسرائيلي مخطط له منذ أشهر“ ضد الجماعة المسلحة في قطاع غزة.
ونقلت الصحيفة عن مصادر استخباراتية إسرائيلية قولها، إن تل أبيب كانت تخطط لشن عملية عسكرية لـ“قطع رأس“ حركة ”الجهاد الإسلامي“ منذ أشهر، وإنها تمكنت من استغلال الانقسامات في القيادة.
جاء ذلك بعدما توصل الجانبان إلى هدنة لوقف إطلاق النار لإنهاء ثلاثة أيام من العنف الذي خلف أكثر من 44 شهيدا فلسطينيا، بينهم 15 طفلا، وإصابة المئات وتدمير عشرات المباني في قطاع غزة، في قتال هو الأسوأ في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ الحرب التي استمرت 11 يوما في أيار/ مايو من العام الماضي.
وأشارت الصحيفة إلى أنه على عكس التصعيد السابق في غزة، بقيت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) خارج هذه الجولة، خوفًا من تعريض الاتفاقات الأخيرة التي أبرمتها مع إسرائيل للخطر.
وقال المسؤولون الإسرائيليون لـ“التايمز“، إن حماس كانت ”سعيدة للغاية“ لرؤية خصومها يتعرضون للهجوم.
وأوضحت المصادر الإسرائيلية للصحيفة، أن تل أبيب كانت تستعد لهجوم وشيك من ”الجهاد الإسلامي“ بعد ورود أنباء عن أن الأمين العام للحركة زياد النخالة، المقيم في دمشق، قد ذهب إلى طهران لعقد اجتماعات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، حيث تتلقى الجماعة تقريبا تمويلها من إيران.
وأصافت المصادر: ”ورد أن النخالة – وسيلة التواصل الرئيسة مع إيران – كان يتعرض لضغوط من طهران لشن هجوم على حدود إسرائيل، وهو ما كانت طهران تأمل أن يصرف الانتباه عن المفاوضات السرية التي تجريها بشأن إحياء الاتفاق النووي مع القوى العالمية“. وتابعت: ”الجهاد الإسلامي كانت مدفوعة أيضًا باعتقال إسرائيل لقيادي بارز في مدينة جنين بالضفة الغربية“.
وأشارت المصادر، إلى أن ”أجهزة المخابرات الإسرائيلية كانت تراقب الاتصالات بين النخالة واثنين من كبار القادة العسكريين للحركة، ولاحظت نغمات الغضب المتزايدة التي طالب فيها القادة بتحويل مبلغ كبير من المال من طهران مقابل تنفيذ هجوم كبير على إسرائيل“.
وأضافت المصادر في حديثها للصحيفة: ”عندما أطلقت إسرائيل عمليتها العسكرية، الجمعة، كانت تتسابق لتحديد موقع قادة الحركة أولاً، وهو ما ظهر في استهداف تيسير الجعبري، قائد القطاع الشمالي للحركة، وعدد من مرؤوسيه الذين اقتيدوا إلى منزل آمن في شقة في الشجاعية بغزة“.
وتابعت: ”زاد مقتل الجعبري الأمور صعوبة بالنسبة للقائد المتبقي للحركة خالد منصور، الذي كان يحاول، بالإضافة إلى مسؤوليته عن القطاع الجنوبي من غزة، تنسيق رد الجهاد الإسلامي على شكل إطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل، والتي أسقط نظام القبة الحديدية معظمها“.
وأوضحت المصادر الإسرائيلية لـ“التايمز“، أنه نتيجة العزلة وعدم بقاء أي من قياداتها العليا في غزة، تعرضت ”الجهاد الإسلامي“ لضغوط من ”حماس“ والسلطات المصرية للموافقة على وقف إطلاق النار مساء الأحد.