إن معمار الحياة في المباني يرتبط بشكل عميق مع الطابع الإنساني ويصف الطبيعة الداخلية للمشاعر بدقة ، سأحتفظ في ذاكرتي بهذه الصورة ماحييت ، ليظل الفرق بين الإرهاب السياسي والعمارة واضحاً ، وذلك من خلال تغيير الوان الأنظمة ، حين يصبح الإرهابيون السابقون بمنزلة وزراء لبلادهم .
في زارة الفرعونية ، عفواً أقصد العوذلية اكتشف سلاطينها آنذاك أهمية الصورة في السيطرة على الحواشي ، وتبعات ذلك في كيفية جذب إنتباه وإرساء قواعد الدولة ترويضاً فيما بعد لفضول ذلك الشعب المسحوق ، لذا نقشت جدران عماراتهم بنقوش مصورة ذو رمزية سياسية تحكي عظمة السلطان العوذلي وهيبته وهيبة دولته وجذوره المقدسة ، فكان يستخدم لهذا الغرض تلك المطرزات ، وهي علامات تصويرية كان يفهمها كل الناس كأداة لإيصال هذه الرسالة ، وكتوجيه عن مدى قوة الدولة في الحكم .
تعد عمارات زارة وماحولها من أبرز العمائر التي تحمل مضامين عوذلية حضارية حتى يومنا هذا ، حيث شهدت الإمارة ، نزاعاً مسلحاً مع السلطنة الفضلية وولاية دثينة للسيطرة على (الفيحاء) من الفيض الواسع ، الذي تركه الإنجليز بينهم مسرح للصراع ، ليستولي على معاقل الحكم في عدن ٠
اتخذ هذا النزاع صوراً متعددة منها تجديد الحدود بين الممالك الثلاث في إطار سياسة بريطانية ، كان الهدف منها ضرب كل كيان بآخر للقضاء على الفوضى السائدة ، وتحقيقاً للاستقرار السياسي الذي يهدف إليه المستعمر مستقبلاً ، فضلاً عن خروج جمهور كبير من سكان المناطق الوسطى في أبين ، من تحت عباءة القبيلة التي حظيت في عهد المرتزقة بشيء وشويات.
بعد كل هذا اتجه السلطان العوذلي إلى الاستقلال الاقتصادي ، وذلك عن طريق توزيع الأراضي الزراعية المشاعة لضمان سيادة دولته ، وفعلاً استطاع حينها مد نفوذه بواسطة العملاء والمقربين له ، بتبني مشروعاً ذا طابع سياسي ديني أقتصادي ، يرتكز على الأهتمام بفلاحة الأرض التي كانت ماوئ ورأس مال للكادحين ، ولهم بمثابة العمارة المنتظرة .
أننا هنا أمام تساؤلات عديدة أفرزتها المرحلة القبلية الصعبة التي نعيشها في هذه الأثناء وفي ظل الدولة التي لم تكتمل دورتها منازل القمر ، وتلك الأسئلة تطرح نفسها بعفوية مطلقة ، قد يمدنا ويرفدنا بها الباحث أو القارئ ، حيث تبرز معظم هذه الأسئلة المختارة بدقة وفي تركيز حول وضع صور تيجان السلاطين والأمراء لتلك المشيخات الثلاث ، والتيجان لسلطنة آل فضل وولاية دثينة تختلف وواحدة وأشبه مايكون بالتيجان الحقيقية ، التي كان سلاطين العواذل يضعونها في معابدهم وعماراتهم للزينة فقط ، كعلامات نصر إيماناً منهم بأفضلية معتقداتهم ، التي طغى عليها أسلافهم من بعد دولتهم ، وحولوا كل الممتلكات والصكوك والأراضي من أصل العواذل ، إلى سوق للتوابل وبالمزاد العلني.
وبالتالي يمكن هنا أن ننظر إلى هذين الزخرفين على أنهما لبناة الزخرفة المعمارية لسلطنة آل فضل وولاية دثينة التي حملت الموروث الحقيقي ، ووسيلة دعاية ليس إلا لدولة آل عوذلة التي لم تحافظ على طابعها القبلي ، وحافظت على معمار تسكنه الأشباح والعصافير