أخبار محلية

عوامل بقاء الإمامة في اليمن ( مستقبل اليمن )

هنا البيضاء- محليات 02/06/2023 21:56 190 مشاهدة
عوامل بقاء الإمامة في اليمن ( مستقبل اليمن )

علي صالح احمد الاصبحي – كتاب مأساة اليمن الكبرى

يتساءل المرء: ما الذي جعل اليمن بيئة قابلة لاحتضان مشروع الإمامة السلالي العنصري؟

ما الذي حافظ على جذوة الإمامة من الاندثار، وضمن لها العودة بعد كل انكسار؟ فما إن ينهض الشعب اليمني للتخلص منها في عصر من العصور إلا وتبدأ بترتيب أوراقها لتعود مرة أخرى، رغم ما تحمله من أفكار وسلوكيات مخالفة للدين والعقل والفطرة السليمة، ورغم قلة عدد الشيعة بالنسبة للأغلبية الساحقة من أهل السنة.

هذا المشروع فشل في أقطار أخرى غزاها، فلفظته، واجتثته من جذوره، مثل مصر التي سيطر عليها الفاطميون ردحاً من الزمن، ثم تحرر منها الشعب المصري، ولم يعد لها أثر، إلا اليمن ما تكاد تذهب حتى تعود.

    لمـــــــــاذا ؟

 المتأمل في صفحات التاريخ يجد جملة من العوامل هيأت الأرضية لبقائها وضمان عودتها بين فترة وأخرى، وذلك ما سنوضحه في السطور التالية:

أولًا: سياسة التفريق والتمزيق  

من يقرأ تاريخ الإمامة أو كُتب عليه معايشة جانب من مسيرتها، يجد أنها لا تتورع في اتخاذ أكثر الأساليب سوءًا لضمان بقاء حكمها، واستمرار هيمنتها، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، ومن أهم وسائلها تفريق المجتمع على أسس مذهبية ومناطقية وطبقية، فقد أدرك أئمة الجور أن سيادتهم ومجدهم وتمرير خرافاتهم لن يكتب لها البقاء، مع وجود شعب موحد قادر على التكتل ضد الأوضاع الفاسدة، فعمدوا إلى القاعدة الشيطانية (فرِّقْ تَسُد)، وعملوا على تغذية الخلافات والعداوات في أوساط المجتمع، فقسموا الشعب إلى قسمين زيدي وشافعي، مع التفريق بين القسمين في الحقوق والواجبات، فمنحوا القسم الزيدي كثيرًا من المزايا المادية والمعنوية، وجعلوا منهم الجيوش والموظفين وجباة الأموال والإتاوات؛ ليشعر الشافعية أن الزيود جميعاً هم الذين يتسلطون عليهم ويستغلونهم.

والزيود يحسون إحساساً مريراً بأن العائلات الهاشمية هي التي تتمتع بحق الحكم، وتتميز به، وتتبادله بين الطامعين من رجالها جيلًا بعد جيلٍ.

والهاشميون تجد فيهم البائسين والمنكوبين والمحرومين، وعائلة واحدة هي العائلة المالكة، تضطهد العوائل الأخرى.

ومن جهة ثانية تجد سكان الريف يئنون من سكان المدن جميعاً، باعتبار أنهم يتشاركون مع الأئمة مغانم الحكم ومكاسبه، ويتحملون جرائره وآثامه.

وهكذا تقسيمات وتجزئات مسلسلة مستحكمة، آخذ بعضها بخناقِ بعض، ومنحدرات كلها من هذه العلة الواحدة المزمنة، وهي الحق الإلهي في حكم البشر([1]).

ثانياً: الفقر والمجاعة

لا يستشعر الإمام مسؤوليته تجاه الشعب في تحسين وضعهم الاقتصادي والمعيشي؛ بل يتخذ من الإجراءات ما يضيِّق على المواطنين سُبُل الحصول على لقمة العيش، وأكبر مهمة له هي تحصيل الإيرادات منهم؛ لتغطية تكاليف حروبه العبثية، لهذا تجد أن كل فترات حكمهم كانت تمتاز بالفقر المدقع شعارهم: (من أحبنا أهل البيت؛ فليستعد للبلاء جلبابًا)، وحسب الواحد منهم أن يتربع على العرش، ثم يقول للناس إنَّ الله هو الذي ولَّاه.

في عهد الإمام يحيى حميد الدين حلت باليمن مجاعةٌ رهيبة، مات أكثر أهلها بعد أن أكلوا الكلاب والقطط، وكانت خزائن الحكومة ملآ بالحبوب، وراح الناس يسألون الإمام النجدة، فصعر خده لهم، وقال كلمته المشهورة: (من مات فهو شهيد، ومن عاش فهو عتيق)([2]).

وإذا حل الفقر في مجتمع جعله مشغولاً بالبحث عن القوت الضروري، ولن يجد الوقت للتفكير في الشأن العام، وهذا غاية ما يريده الإمام.

ثالثاً: الجهل والأمية

طبيعة الأفكار المنحرفة أنها لا تترعرع، ولا تستطيع العيش إلا في بيئة الجهل والتخلف، لأن الدجل والخرافات لا تنطلي على المتعلمين؛ لأنهم لن يقبلوا كل ما يُمْلِي عليهم إلا بالدليل، لذلك كان الأئمة يحرصون على محاربة العلم والتنوير، لأن من شأنه أن يقوض البناء الإمامي من أساسه، وأن يرشد الشعب إلى طريق عزته وحريته، فحاربوا العلم والتعليم، ما عدا أبناءهم وأنصارهم، المتشبعين بالأفكار العنصرية، هؤلاء هم من يسمح لهم بالتعلم، وأما عامة الشعب، فمحرومون من التعليم إلا بالقدر الذي يعظم الشعور بقدسيتهم، وواجب نصرتهم.

في هذه البيئة وجد الأئمة من يصدق أن الإمامة هبة إلهية لسلالة معينة مختارة، وأن الإمام ظِلُّ الله في الأرض، ومستودع علمه وعصمته وإلهامه وتأييده، بيده الإنس والجن, وأن الجن تخبره بخطط العصاة([3]).

فإلى وقتٍ قريبٍ تجد أن القبيلة بكاملها لا يوجد فيها من يجيد القراءة والكتابة، وإذا وجد قارئ في منطقة مّا انتشر صيته في الآفاق، وشُدَّت إليه الرحال من مسافات بعيدة؛ لقراءة رسالة أو كتابة وثيقة.

في قريتنا أول من تعلم القراءة والكتابة لا يزال في صحةٍ جيدة، أسال الله له العافية، وطول العمر، ومن قبله كانت القرية كلها أمية.

رابعاً: ثقافة التمييز للعنصر الهاشمي

  قد يُنظر إلى هذا التمييز كواحدٍ من الأعراف السائدة في المجتمع اليمني التي يتفاضل الناس بها فيما بينهم في أمور دنياهم، على أساس النسب والمهنة، وكلها خاطئة ومخالفة لمبدأ المساواة التي تعد من أهم القيم الإسلامية، فإن الدين الإسلامي حصر قضية التفاضل بين الناس في التقوى، إلّا أن هناك فارق بين الأمرين، وهو أن التمييز الذي نحن بصدده يقوم على أساس دينيٍّ مزعومٍ، فيعامل الفرد الهاشمي معاملةً خاصةً، ويعطى من التقديس والتبجيل ما لا يعطى لغيره، ورأيه مقدر ومسموع، ليس لصلاحه وتقواه، ورجاحة رأيه، وإنما لنسبه المقدس، وتطلق عليه صفات وألقاب ليس لها أصل في دين العدل والمساواة، ووصل الأمر بالبعض إلى حد الاعتقاد أن بيدهم النفع والضر والخير والشر.

هذا الأمر تقبله المجتمع، وتعامل معه كأحد المسَلّمات، فكان من ضمن العوامل التي هيأت الأرضية لاحتضان نظرية الإمامة، ورعاية بذرتها، وحفظها من الذبول، فإذا ما ظهر أحد أبناء السلالة، شاهراً سلاحه، مطالباً بحقه في الحكم، وجد من يستجيب لطلبه، ويقف إلى جانبه.  

خامسًا: ضعف التوعية بمخاطر نظرية الإمامة

لقد مثل الجهل بخطر الإمامة أحد أهم أسباب فشل ثورة 48، وخاصة في صفوف القبائل، مما أدى إلى وقوفها مع الثورة المضادة.  

يقول الثائر العزي صالح السنيدار: من أسباب فشل ثورة 48 انحصار الوعي في المدن، وعدم انتشاره بين القبائل، لقد اعتمد الأحرار على توجع القبائل وشكواهم من الظلم، وغاب عنهم أن العقيدة باقية، وهي قادرة على اكتساح أي عقبة أمامها. أهـ([4]).

فقد كانت القبائل تعلم أن الإمام ظالم؛ لكنها تعتقد أنه يستمد شرعيته من السماء، فلا تجد لها عذراً في عدم نصرته والدفاع عن عرشه، فالعقيدة مقدمة على مصالح الدنيا.

ومثلت ثورة سبتمبر 1962م نقلةً نوعية في حياة الشعب اليمني، ووفرت فرصة ذهبية للقضاء على نظرية الإمامة، فهي أول ثورة تستهدف النظام الإمامي بأفكاره وقوانينه وأشخاصه، وتقيم على أنقاضه نظاماً جمهورياً، بخلاف الثورات السابقة التي اعتمدت التغيير الجزئي، مراعية الظروف الموضوعية السائدة حينها، إضافةً إلى أنها جاءت في وقتٍ وصلت فيه الأمة العربية إلى مرحلة متقدمة من الوعي السياسي, وكسرت كثيراً من الحواجز التي كانت تمنع الشعوب من المطالبة بحقوقها السياسية والعيش بحريةٍ وكرامةٍ، ونزعت المهابة المزيفة التي كان يتمتع بها الحكام المستبدون.

وقد بُذلت جهودٌ جبارة في ظل النظام الجمهوري في مجال تصحيح العقيدة، ونشر السنة، ومحاربة التعصب المذهبي، وتحولت كثير من الحواضن الشيعية إلى السنة، عبر مناهج التعليم، وخاصة المعاهد العلمية كما كان لمنابر الوعظ والإرشاد دورٌ بارزٌ في ذلك.

إلاً أن أحدًا لم يتعرض لجوهر المشكلة ومصدر الفتن، المتمثلة في فرية الحق الإلهي في الحكم، وما جنته على اليمن من المآسي والمحن، عبر مئات السنين، وجعلته في ذيل قافلة الأمم، وإن ذُكرت الإمامة، فلا يتجاوز الحديث أسرة بيت حميد الدين، كآخر أسرة سلالية، حكمت اليمن، واختُـزلت المشكلة في فسادها واستبدادها وتخلفها، دون التعرض لفكرها وعقيدتها المتوارثة، رغم أن هناك عددٌ كبيرٌ من العلماء والكتَّاب الذين تناولوا هذه القضية في كل العصور، وآراؤهم وكتاباتهم موجودة، لكن لم يتبنَّاها أحدٌ ضمن مناهجه لا الجانب الرسمي، ولا مراكز العلوم الشرعية، ولا الجامعات والمعاهد، ويكفي لإدانة هذه الفكرة ما تضمنته كتب أصحابها التي تفوح منها رائحة العنصرية.

لقد كنا نتباهى بالتعايش بين المذهب الشافعي، وما نظنه مذهباً زيدياً، وكأن الخلاف محصور في التأمين بعد الفاتحة، والضم والإسبال، والتعايش بين المختلفين أمر محمود، إلاّ أن الأمر يختلف إذا كان أحدهم يُعِدُّ العدة لاستباحة دماء المخالفين لرأيه، ويتحين الفرصة لذلك، ويربي اتباعه على أن ذلك من الدين.

 

وقد تحققت الرؤية الاستشرافية للشهيد محمد محمود الزبيري من أن الامامة ستظل خطراً مستقبلياً على اليمن، ما لم تستأصل تمامًا، فقال: تلك هي مشكلة اليمن الكبرى، ستدور عليها معارك المستقبل وأحداثه، وستنبعث منها مشاكل كثيرة أخرى، وستستغلها القوى العربية والدولية شِئْنا ذلك أم لم نشأ، وستتعرض اليمن بسببها لأخطارٍ لا نهاية لها.

 

ثم يقول عن الحل: إذا أراد اليمنيون أن يجنبوا بلادهم كل هذه الاحتمالات الرهيبة، ويحتفظوا باستقلالها وسيادتها ووحدتها وبقاء اسمها على الخريطة؛ فليشطّبوا على هذه الخرافة التي تعطي لنفسها حقاً مقدساً في الحكم لفئة معينة من الناس، وليتيحوا لكافة فئات الشعب فرصاً متساوية في الحكم. اهـ ([5]).

 

لقد أطلق هذه الصيحة والإمامة لا زالت جاثمة على صدور اليمنيين، ثم بعد ذلك لفظها الشعب في ثورة 62م، لكنها عادت اليوم؛ لأنه لم يُشطب على فكرتها نهائياً، وها هي توقعات الزبيري تتحقق على أرض الواقع، وتدور المعارك التي حذَّر منها، ويستغلها القريب والبعيد، وتتحول اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية.

وإذا بنا نسمع بعد انقلاب الحوثي من يفتخر أن من يحكمنا اليوم هو ابن رسول الله.

سادساً: خلافات الصف الجمهوري

لقد حذر الله عباده من الفرقة والنزاع بقوله تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (الأنفال 46).

فالنزاع الداخلي هو أكبر معاول الهدم في أي جماعة، ولو نظرنا إلى فترة ما بعد سقوط مملكة آل حميد الدين عام 1962م، لوجدنا أن البلد دخلت في خلافات سياسية مبكرة، فهناك صراع فيما كان يعرف بالشطر الشمالي، وصراع في الشطر الجنوبي، ثم يأتي الصراع بين الشطرين، فقد انتقل الصراع من مناهضة الإمامة والاستعمار البريطاني إلى صراع على السلطة داخل النظام الجمهوري، ففي صنعاء - التي خرجت للتو من قبضة الإمامة - دبّ الخلاف بين قيادات الثورة، والحرب ما تزال على أشدها، مع فلول الإمامة، وصل إلى حد القتال في الشوارع.

وفي خلال ستة عقود تعاقب على حكم اليمن الشمالي خمسة رؤساء، واليمن الجنوبي خمسة في مرحلة التشطير، واليمن الموحد ثلاثة، أحدهم حكم في المرحلتين، ولم يخرج أحدهم من السلطة إلا مقتولا أو منفياً.

و لم يسلم العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية أيضاً من التشظي والانقسام إلى حدِّ السباب والشتائم وتدبيج الفتاوى، التي تحذر الأمة من خطر الجماعة الأخرى أو العالم الفلاني، وأصبح لكل جماعة مساجدها الخاصة بها، ويوم الجمعة كلٌ يتجه إلى مسجد جماعته مهما كان بعيداً، ويتجاوز المساجد القريبة؛ لأنها تتبع الجماعة الأخرى، حتى مصليات العيد لكل جماعة مصلى، فاستحوذت الخصومة بين أهل السنة على الجانب الأكبر من تفكيرهم وجهودهم، وقليلاً ما سمعنا منهم من يحذر من خطر الإمامة وفكرها المنحرف، وجرائمها عبر التاريخ.

واليوم في ظل مواجهة الحوثيين، وبرغم الظروف التي وصلت إليها البلاد إلا أن الخلافات بين مكونات الشرعية لا زالت حاضرة بقوة.

هذه الخلافات لا شك هي أكبر هدية مجانية يقدمها الجمهوريون للإماميين حتى وصل الحال إلى أن بعض القادة يستعين بهم للانتقام من خصومه الجمهوريين، وما كان لانقلاب جماعة الحوثي أن ينجح لولا هذه الثغرة القاتلة.

 

 

[1]) محمد محمود الزبيري، الإمامة وخطرها على وحدة اليمن، ص-21.

 ([2]محمد محمود الزبيري، الإمامة وخطرها على وحدة اليمن, ص-9.

[3]) عادل الأحمدي الزهر والحجر، ص-75.

([4] العزي صالح السنيدار، الطريق إلى الحرية، ص112.

([5]  محمد محمود الزبيري، الإمامة وخطرها على وحدة اليمن، صـ24.