للعام الخامس على التوالي، ووفرة مياه الشرب والاستخدام المنزلي، وايجارات المساكن، تشكّل العائق الاكبر والمعاناة التي قصمت ظهر مئات الأسر النازحة في مديرية قعطبة، شمالي محافظة الضالع (جنوبي اليمن)، في ظل غياب دعم الجهات الحكومية المعنية في الحكومة الشرعية، والمنظمات الدولية العاملة في البلاد، وابقاء مناطقهم الأصلية ساحة صراع مسلح إلى أجل غير مسمى.
بدأت المعاناة بالنسبة للسكان مع احتدام المعارك في جبهات شمال وغربي قعطبة، مطلع العام 2018م، بين القوات المشتركة بجميع مكوناتها العسكرية، ومليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة إيرانياً، حيث تقول مصادر حقوقية أنه خلال الفترة مارس 2018 وحتى مايو 2019، نزحت أكثر من 3 آلاف أسرة من مناطق وعُزل مريس، الجبارة، بيت الشرجي، الاعشور، حبيل العبدي، الشرنمة، الفاخر، صبيرة وغيرها.
واوضحت المصادر الحقوقية لوكالة خبر، أن موجة النزوح احتدمت كثيرا خلال الأشهر الأولى من العامين 2018 و 2019، ففي الاول دفعت قوات المليشيا الحوثية بكامل ثقلها والزحف نحو مدينة قعطبة مركز المديرية، واستطاعت السيطرة على مركز المديرية، وفي الاخير جاءت ردة فعل عكسية من القوات المشتركة حينما شنت هجمات واسعة ووجهت ضربات مركزة أجبرت المليشيا على الانسحاب والتراجع إلى تخوم المديرية وتحديدا إلى جبهة باب غلق شمال غرب، وحبيل العبدي والفاخر، غربا وحتى أطراف منطقة صبيرة والجُب جنوب غرب.
وخلال هذة الفترة ارتفعت موجات النزوح، لا سيما بعد تحويل هذه المناطق الريفية إلى مناطق عسكرية تشتعل فيها المواجهات العنيفة بين الحين والآخر، وتهجير كامل سكان مدينة الفاخر واغلاق جميع محالها وأسواقها التجارية، وتوالي موجات نزوح مئات الأسر قسرا تحت التضييق والتهديد والمضايقات الحوثية، وأيضاً المواجهات العسكرية العنيفة بين الجانبين.
نازحون قالوا لـ"خبر"، أنهم وجدوا أنفسهم مجبرين على مغادرة منازلهم وترك مزارعهم المحاصرة بالقوات العسكرية للطرفين خالية، منها ما تحول إلى ثكنات وأخرى بقت خاوية على عروشها، وأصبحت مخيمات النزوح في منطقة "سهدة" بقعطبة، هي ملجأ العشرات من الأسر، إلا أن افتقار الخدمات فيها اجبر الكثيرين على البحث عن شقق سكنية في المدينة (قعطبة).
بنية تحتية هشّة
البنية التحتية الخدمية الهشّة في كامل المجالات (اقتصادية، تعليمية، صحية، سكنية..) بالمدينة، شكلت عائقا كبيرا أمام النازحين، مع ارتفاع اجارات المساكن إلى ثلاثة أضعاف السابق، اي بنحو 80 ألف ريال لشقة تتكون من 3 غرف وحمام ومطبخ بدلا عن (20 إلى 25) ألف ريال سابقاً، وهو المبلغ الذي يزيد عن متوسط راتب الموظف الحكومي. أما إن اضيف إلى ذلك أزمة المياه التي تتفاقم في فصل الشتاء حين يتراوح سعر بوزة الماء "الوايت" بين (80- 100) ألف ريال، فالمعاناة تبلغ ذروتها.
يقول نازحون، أنهم في موسم الأمطار يقومون بتجميع المياه من اسطح المنازل إلى خزانات بلاستيكية، واستخدام هذه المياه في الغسيل والتنظيف، في حين يتم شراء مياه الشرب من السوق السوداء، إلا أن هذا الطريقة لا تدم كثيرا نظرا لمحدودية الخزانات في ظل إمكاناتهم الاقتصادية الصعبة.
وعن تغطية هذه النفقات، يلجأ أرباب الأسر ومعهم ابنائهم الذين أغلبهم قاصرين، إلى سوق العمل لتوفير ما يغطي الانفاق، خصوصا ودور المنظمات شبه محدود ويقتصر في الغالب على توفير الادوات المنزلية (بطانيات وفرش وادوات مطبخ)، وقليلون جدا هم من يحصلون على مقابل نقدي لدفع اجارات مساكنهم، ومع ذلك ليس بشكل مستمر، نظرا لسياسة تلك المنظمات التي تغير خططها كل ستة اشهر، ومن المستفيدين من خدماتها، بالإضافة إلى تلاعب العاملين في تلك المنظمات.
وذكر نازحون في مخيم "سهدة" وآخرين ممن استضافتهم أسر أخرى في المدينة أو استأجروا شقق سكنية، أنه بعد نحو خمس سنوات من النزوح ومكابدة ويلات الحرب بمفردهم دون مساندتهم من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، والمنظمات الدولية، بات لزاما على الحكومة والمنظمات الضغط على جميع القوات العسكرية المتمركزة في منازلهم وعلى تخومها ومزارعهم، الانسحاب الفوري منها وإعادة تطبيع الحياة في مناطقهم، أو استكمال تحرير بقية المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
إيقاف معركة التحرير
خمس سنوات على توقف القوات المشتركة من استكمال تحرير مناطق المحافظة، والتقوقع في نفس النقطة، كان شريكا في هذه المأساة، وسببا في تسرّب مئات الاطفال (شكور وإناث) من المدارس، وتعرضهم للتحرش أثناء العمل مقابل الأجر اليومي لمساعدة أسرهم في تحسين مستوى دخلها المعيشي، في الوقت الذي تحولت مزارعها، وتحديداً نبتة "القات" التي تمثل نحو 80 في المئة من مصادرهم الاقتصادية، أراض جرداء نتيجة منع الرجال من الوصول إليها لريها والاهتمام بها، أو تعرض محاصيلها للنهب والسرقة من أفراد بعض قوات الطرفين.
وكان قد ذكر في وقت سابق، العديد من مزارعي حبيل العبدي، صبيرة، في قطاع الفاخر (غرباً)، تعرض محاصيل نبتة القات للسرقة من عناصر حوثية، في حين قامت أخرى بإحراق العديد منها، ونهب معدات الري (مضخات، أنابيب) وغيرها، واستهداف العاملين فيها برصاص فرق قناصة المليشيا، بالمقابل فرضت بعض وحدات القوات المشتركة قيودا على المواطنين من الوصول إلى مزارع أخرى تقع في نطاق سيطرتها النارية.
وتبرر كل جهة من هذه القوات، ارتكابها هذه الممارسات إلى أن المنطقة أصبحت عسكرية، في الوقت نفسه ترفض تقديم مساعدات مادية لمالكي هذه المزارع، كنوع من التعويض على ما كانوا يجنون منها.
وبالرغم من أن مصادر قبلية أكدت لـ"خبر"، في وقت سابق أن متوسط الدخل السنوي لاغلب هذه الاسر يقارب مليوني ريال، إلا أنها باتت اليوم تعاني الفاقة وعاجزة عن دفع اجارات المساكن ونفقات المياه في ظل استمرار نزوحها وابقاء منطقتها ساحة صراع مسلح إلى أجل غير مسمى دونما ذنب اقترفته إلا أن الله خلقها في هذه الارض.