تواصل مليشيات الحوثي الإرهابية، المدعومة إيرانيا، وضع العراقيل التي تحول دون التسريع في عملية إنقاذ خزان صافر العائم قبالة السواحل اليمنية الغربية في البحر الأحمر، مستغلة هذه الأزمة الكارثة لصالح استمرار وجودها في المناطق الخاضعة لسيطرتها وفرض أجندتها ذات الطابع الإيراني على المجتمعين المحلي والإقليمي.
ورغم إعلان الأمم المتحدة استكمال المرحلة الأولى من عملية الإنقاذ، وانطلاق المرحلة الثانية من المراحل الأربع المرسومة لعملية إنقاذ البحر الأحمر من كارثة بيئية كبيرة، نتيجة خزان صافر النفطي الراسي في منطقة "رإس عيسى" قبالة سواحل الحديدة اليمنية، إلا أن العملية تجري في أجواء مشحونة نتيجة وضع الحوثيين مراقبين لعملية الإنقاذ ووضع شروط وإلزام شركة الانقاذ الهولندية ومن ورائها الأمم المتحدة بالعمل وفقا لخططهم الإرهابية.
وكانت الأمم المتحدة أعلنت، في 3 يوليو الجاري، استكمال المرحلة الأولى من عملية إنقاذ السفينة صافر، وشملت هذه المرحلة فحص وتقييمَ الخزان العائم، وأنها ستبدأ في تنفيذ المرحلة الثانية من أصل أربع مراحل تستمر على مدى 18 شهرا، ورصد 144 مليون دولار لها، إلا أن العملية تتعرض لعوائق مفتعلة من قبل الحوثيين، ما يعرض السفينة لحدوث تسريب تكون له تداعيات بيئية وخيمة.
عدم توفر بيئة آمنة للتفريغ
ولم تتمكن الشركة المنفذة لعملية الانقاذ التي تديرها الأمم المتحدة، من إدخال السفينة البديلة "نوتيكا" الراسية في ميناء جيبوتي حتى اليوم، حيث تحتاج السفينة البديلة التي تم شراؤها من قبل الأمم المتحدة، إلى بيئية بحرية آمنة حتى تتم عملية نقل أكثر من مليون ومائة ألف برميل من النفط الخام، نوع عربي خفيف يقبع داخل الخزان المتهالك.
وتسبب إهمال صيانة السفينة وتعنت واستغلال المليشيات لأزمتها خلال السنوات الأخيرة، إلى تآكل هياكلها مما ينذر بكارثة بيئة في جنوب البحر الأحمر استدعى مباحثات مطولة مع جماعة الحوثي للوصول لاتفاق يجنب المنطقة وقوع الكارثة.
وبرزت أزمة الناقلة اليمنية "صافر" في الإعلام الدولي مع تحولها إلى تهديد بيئي وملاحي في منطقة البحر الأحمر،وفقا للتقارير الإعلامية، ما رفع خطر تدهور حالتها الهيكلية مستويات المخاطر إلى حدوث تسرّب نفطي في أي وقت.
إعاقات حوثية متواصلة
ومع أن أزمة "صافر" ظلت تحضر إعلامياً وسياسياً من وقت إلى آخر على مدى الأعوام الأربعة السابقة، فإن إيجاد حل للمشكلة اصطدم بإعاقات عديدة تتحمّلها الأطراف التي تدير ملف "صافر"، فإلى جانب استمرار النزاع بين فرقاء الحرب على السلطة القانونية عليها، والحقّ في الاستفادة من عائدات بيع النفط، فإن الخطّة الأممية الإنقاذية، سواء بآليتها أو مراحلها، شكّلت، هي الأخرى، سبباً آخر لإعاقة إنقاذ "صافر"، بحيث حوّلتها إلى قضية للاستثمار.
وإذا كانت هذه التعقيدات والمماطلة قد شابت جزءا من تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة الأممية، فإن البدء بالمرحلة الثانية، ناهيك عن توفير نفقاتها، ومن ثم طي أزمة "صافر" قد تعني الاستمرار في سياسة صناعة الأزمة وتسويقها، ومن ثم استثمار الكارثة لأجل غير معلوم.
وحتى اليوم، تحاول المليشيات الحوثية التصدر لمشهد عملية الانقاذ، من خلال المطالبة بإشراك عناصرها في عملية الإشراف على عملية الإنقاذ، لمرقبة جميع الأعمال ورصدها وفقا لخطة إيرانية بهذا الخصوص.
مطالب مخالفة
وذكرت مصادر ملاحية في الحديدة أن عناصر مليشيا الحوثي شكلت غرفة عمليات من عناصر قتالية ارهابية بينهم خبراء من الحرس الثوري الإيراني، لمتابعة عملية الإنقاذ وتفريغ النفط والعمليات التي تلي ذلك، حتى يتم نقل الأصول والنفط الخام وملكية السفينة الجديدة إلى جهات تتبع الحوثيين، الأمر الذي يشكل عائقا خطيرا على عملية الانقاذ.
ورغم أن ملكية السفينة التي يعود عمرها إلى ما يقارب خمسة عقود، تعود إلى شركة صافر النفطية المملوكة للحكومة اليمنية، إلا أن المليشيات ترى نفسها المالكة الحقيقية للسفينة باعتبارها تقع في منطقة جغرافية تحت سيطرة عناصرها الإرهابية.
وكما هو الحال بالنسبة لوضعها شروطا تعجيزية أمام مساعي السلام الدولية، تمثلت بالاعتراف بها كجهة حاكمة وحيدة في اليمن، طالبت المليشيات منسق الشؤون الإنسانية في اليمن ديفيد غرسلي بأن تكون هي الجهة اليمنية الوحيدة التي يجب التعامل معها بشأن أزمة كارثة صافر، الأمر الذي يضع الجهات الدولية أمام مواقف محرجة ومتناقضة حيث تتعامل وفقا للبروتوكولات الدولية مع الحكومة المعترف بها دوليا.
وكانت المليشيات الحوثية عرقلت انطلاق عملية الانقاذ من موعدها المحدد من قبل الأمم المتحدة في 15 مايو إلى بداية يونيو الماضي، الأمر الذي أثر ملاحيا على تمكن السفينة البديلة من الدخول إلى منطقة وجود صافر.
مساومة لمكاسب كارثية
وشكلت مطالب الحوثيين ووضع عناصرها بالقرب من الخزان وأعمال الصيانة الجارية، مخاوف لحدوث أي خلل في العمليات المرسومة لانقاذ الخزان وتفريغ النفط، أو على الأقل تمكين جهاتٍ مهنيةٍ من تقييم حالته، فإنها أخضعت ملفّ صافر للمساومة مقابل انتزاع مكاسب متعدّدة.
على الصعيد السياسي، استطاعت مليشيا الحوثي على مدى أعوام إدارة مفاوضاتها مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، لفرض شروطها، وذلك بتحييد السلطة الشرعية من عملية إنقاذ "صافر".
وعلى الصعيد الاقتصادي، حرصت جماعة إيران على ضمان احتكارها عملية بيع النفط المخزّن الذي تقدّر قيمته بـ80 مليون دولار، واستفادتها من العائدات مقابل حرمان السلطة الشرعية. واستندت جماعة الحوثي في تأكيد أحقيتها إلى منطق القوة والسلطة المسيطرة على الأرض، التي تفرض شروطها، إلى جانب عدم وجود نصوص مرجعية أممية تكيّف أزمة الناقلة وفقها، وتخضع، بالتالي، عائدات الخزّان للاقتسام بين طرفي الحرب، ما مكّن الجماعة من التحايل على أي تسوية بهذا الخصوص، مقابل مساومة المجتمع الدولي وتحويل خزّان صافر لورقة للابتزاز، إلى جانب تشديد إجراءاتها وتقييد عملية الرقابة على الخزّان، واستطاعت، في النهاية، فرض نفسها طرفا محليا وحيدا لإدارة أزمة "صافر"، أسفر عن توقيعها، مع الجانب الأممي، في مارس 2022، اتفاقية تسهيل عملية إنقاذ صافر، وهو ما يعني قيامها بالدورين السيادي والقانوني، كسلطة أمر واقع، ومن ثم امتيازات متعدّدة، وإن ظلّ الشق المتمثل ببيع النفط مشكلة عالقة بين فرقاء الصراع.
رهان أممي خاسر
ظلّت الأمم المتحدة تراهن على الاستمرار في تدويل أزمة صافر وبقائها تهديدا دائما، من دون أن تترتب عليه، في المقابل، خطوات عملية وعاجلة تقدر أبعاد الكارثة.
وشكل إدارة الأمم المتحدة لملف "صافر" مثالا حيويا ونموذجيا على اختلالات أدائها الوظيفي، وبيروقراطيتها، إلى جانب القدرة على استدرار دعم المانحين، وهو ما ينعكس على مجمل أدائها عموما، من الملف السياسي إلى الإنساني والإغاثي.
غياب سلطة وطنية
وإذا كانت حالة الحرب وغياب سلطة وطنية موحّدة قد جعلت اليمن يخضع لوصاية القوى الدولية والمتدخّلين، فإن الأمم المتحدة أصبحت المظلّة الرسمية لإدارة هذا التدخّل، بحيث تحوّلت من هيئة محايدة تدير الشقّ الإنساني والتفاوضي بين فرقاء الحرب إلى سلطةٍ تنفيذيةٍ مخوّلة بعملية إنقاذ "صافر"، ومن ثم الطرف الثاني مقابل جماعة الحوثي.
ومع إدارتها للملف نقلتها من متدخّل يعيق الكارثة إلى طرف معرقل وجزء من التعقيد لا الحل. فعلى الرغم من أن أزمة "صافر" أصبحت محور تقاريرها الإعلامية الدورية منذ عام 2020، بما في ذلك شمولها بالتقارير التي تتناول تطوّرات الحرب، ظلت الأمم المتحدة تتفادى إيجاد حلول عاجلة لإنقاذ الخزّان، في مقابل مأسسة أزمة "صافر"، سواء بإلحاق جهاز وظيفي في عملية الإنقاذ، ما يعني نفقاتٍ مالية تشغيلية مضافة إلى نفقاتها في اليمن، أو بتحويلها إلى ملفّ مستقل عن تداعيات انهيار الدولة اليمنية.
تضاؤل اهتمام
ومع اندلاع الصراع في السودان، تضاءل الاهتمام الدولي بالاحداث اليمنية ومنها الشق الانساني وتراجع الاهتمام الدولي واصبحت قضية شبه منسية دوليا، ما أثر على مستوى التدخّلات الدولية في الملفّ اليمني، ما دفع المليشيات الحوثية لاستغلال هذه الحالة لفرض مزيد من الشروط والمحددات التي تخدم مصالح عناصرها الارهابية والوجود الايراني في البحر الاحمر.
تأخذ أزمة الناقلة اليمنية صافر أبعادها الخطيرة والمتعدّدة، ليس فقط من كونها مصدر تهديد بيئي وملاحي عالمي، في بلدٍ محترب وبلا سلطة، بل من مستويات التوظيف والإدارة التي خضعت لها سنوات.
أخيرا، حققت المساعي الدولية لدى الجماعة الارهابية في صنعاء، بحجة إنقاذ البحر الأحمر من كارثة صافر، حققت مساعي إيران في التواجد في البحر الأحمر، وباب المندب، حيث هدفها الاستراتيجي الذي تسببت من أجل تحقيقه بتدمير اليمن، وإشعال المنطقة بحرب على مدى ثمان سنوات.
اليوم، بحجة كارثة صافر البيئية وتلافيها، تصول وتجول العناصر الإيرانية برفقة أذرعهم في اليمن "الحوثيين"، بحجة المشاركة في الحماية والإشراف على عملية إنقاذ صافر، محققة بذلك أهدافا سياسية واقتصادية ووجودية، ولا عزاء للشرعية المتخاذلة المتخمة بالفساد.