في مرحلة عصيبة و مفصلية من مخاض الثورة العسير ودع الجنوب و بمرارة الرحيل و جور الأقدار, فقيد الوطن العميد أحمد محمود القيسي, الذي وافته المنية بالعام 2020 إثر مرض عظال ألم به.
و للفقيد القيسي حكاية بطولة و قصة رجولة طويلة جدًا, بدأها السياسي المحنك و الإداري الناجح, و القائد الذي لا يهزم أبان عز و مجد دولة الجنوب.
و بعد الإجتياح البربري للجنوب من قبل قوى الهضبة الزيدية, و ما تلى ذلك من أعوام برز النجم الساطع للفقيد أحمد القيسي, و أنار سماء الضالع بحنكته و تواضعه و إصراره على خدمة بلاده.
و تولى العميد القيسي في الضالع عددًا من المناصب منها مديرًا عامًا لمديريتي جحاف و الحصين تباعًا, جاعلًا من المسؤولية التي تحملها أمانة تاريخية قام بتأديتها على أكمل وجه.
كان منزله أيام العمليات العسكرية للمقاومة منطلقًا للثوار و المقاومين, كان يرشدهم و يوجههم إلى الطريق, فقد كان مرجعية الثوار, و رمز الأحرار, و بسبب المواقف الكبيرة التي لعبها الفقيد القيسي في المقاومة فقد تعرض للكثير من محاولات الإغتيال, لكنه الشجاع الذي لا يهاب المنايا, فقد واصل مسيرته التاريخية التي يجب ان يدرسها الأجيال لتتعلم منها معان الوفاء للجغرافية التي كانت بالنسبة للفقيد القيسي أكثر من تراب و راية و وطن.
و حين قرعت طبول الحرب بالضالع بالعام 2015 للميلاد, لبى القائد القيسي نداء الواجب, و ذاد عن حياض و طنه و بلدته الصامدة, لكنه كان يحارب بطريقة أثبتت مدى حبه لتراب وطنه, و إخلاصه كرجل قل ان تجد من أمثالة.
بسلاحه الجيتري, كان يصطاد رؤوس القناصين من عناصر المليشيات التي لاحقها و قارعها و هزمها في عددًا من ساحات النزال, و مواقع القتال بالضالع.
لم تكن إقالته من منصب مدير عام الحصين بعد حرب الضالع تمثل شيء مهمًا بالنسبة له, فحينذاك توالت العروض الكبيرة على القيسي من قبل الشرعية و التحالف لشغل مناصب وزارية رفيعة في الحكومة لكنه رفض ذلك, لإيمانه المطلق بأن منصب وزير النقل الذي عرض عليه من قبل الشرعية لن يكون في مستوى القائد القيسي, الثابت على المبادى و القيم.
اعتكف الفقيد القيسي في منزله, قريبًا من الناس الذين كانوا يأتون إلى منزله لحل مشاكلهم, و الوقوف مع مستضعفيهم, و الإنتصار لمظلوميهم, ليجسد خلال الفصل الأخير من حياته شخصية القائد الأب الذي لم يستسلم للمرض, تحمل الأوجاع ليخفف أوجاع الناس و يرسم الإبتسامة على وجوههم.
و بعد مسيرة تاريخية خالدة, مضى الفقيد العميد أحمد محمود القيسي, في دروبها المتقلبة ثابتًا, و بلا وداع شائت الأقدار أن يغادر القائد العملاق حياة الفناء, تاركًا خلفه إرثا سياسيًا, و عسكريًا, و وطنيًا كبيرًا جدًا, كان فيه القيسي و لا يزال رمزًا من رومز الوسطية و الإعتدال, رحل القيسي بعد أن خط مداد ذكرى عظيمة أليمة في آن واحد..
رحم الله فقيد الوطن العميد أحمد محمود القيسي, و أسكنه فسيح جناته...!