أخبار محلية

الدراجات النارية في عدن .. بين مصدر للرزق ومصدر للفوضى " تقرير خاص "

تحديث نت 14/10/2023 12:54 162 مشاهدة
الدراجات النارية في عدن .. بين مصدر للرزق ومصدر للفوضى " تقرير خاص "

تقرير/ الخضر بن الهيثم.


لم يعد عامر قاسم (24 عاما)، يفكر كثيراً - كما يقول- في كيفية تأمين قوت أسرته المكونة من أب وأم وثلاثة أخوة، منذ تمكنه قبل عام في امتلاك دراجة نارية، باتت توفر له دخلاً يومياً مناسباً لإعانته على تكاليف مصاريف حياته المعيشية.
يؤكد عامر في حديثه أن دراجته النارية باتت مصدر الرزق الأوحد له ولأسرته وذكر أن العمل على الدراجة في العاصمة عدن يشهد منذ فترة تحسناً ملحوظاً، مرجعاً السبب إلى الظروف العصيبة التي يكابدها السكان والتي حالت دون استخدام أغلبهم سيارات الأجرة في التنقل وتفضيلهم الاعتماد على الدراجات كوسيلة أسرع وأرخص.

ويضيف "رغم كل التعب والحرارة أصبحت قادرا على رسم الفرحة على وجهي اسرتي عندما أعود من عملي حاملا احتياجات البيت، مهما كان العمل متعبا إلا أنه الوحيد الذي جعلني قادرا على تحصيل المال يوميا وهو المبلغ الذي سد حاجة أسرتي اليومي.

وسيلة لكسب العيش.

لم يقتصر هذا الحل لكسب العيش على عامر قاسم فقط، بل لجأ عدد كبير من الشباب اليمنيين الذين عجزوا عن إيجاد فرص عمل مناسبة لتوفير المال إلى شراء الدراجات النارية والعمل في توصيل الناس بأجر يكفي لتأمين المستلزمات الضرورية لهم ولأسرهم أو لتأمين احتياجات خاصة بهم كانوا على وشك الحرمان منها او بشكل عام للقضاء على البطالة.

فعلى مدى 9 أعوام سابقة، وما خلفته من أزمات اقتصادية ومعيشية وانقطاع المرتبات، ازداد إقبال اليمنيين على اقتناء الدراجات النارية التي تعد أسعارها معقولة قياساً بالسيارات والمركبات الأخرى، وتحولت بالنسبة لهم إلى وسيلة مهمة لكسب لقمة العيش".

قدر وجود ما يقرب من مليون دراجة نارية تستخدم بوصفها وسائل مواصلات أجرة أو خاصة في مختلف المدن والمديريات اليمنية، وهو ما يشكل 9 أضعاف ما كانت عليه الحال في عام 2010م.

ويتحدث تجار محليون عن رواج غير مسبوق في تجارة الدراجات النارية، مع تراجع فرص العمل في القطاعين العام والخاص، وعجز سلطات الأطراف المتحاربة في اليمن عن دفع رواتب الموظفين الحكوميين.

واتهمت جهات أمنية بالعاصمة عدن، غالبية سائقي الدراجات النارية بعدم الالتزام بقواعد السير والسلامة، مشيرة إلى أن أكثر الحوادث المرورية مأساوية هي تلك الناجمة عن الدرجات النارية.

وتتحدث تقارير متداولة عن وفاة أكثر من 84 شخصاً بسبب حوادث الدراجات النارية العام الماضي، لكن إحصائيات مرورية تؤكد مصرع ما يزيد عن 200 شخص سنوياً، وإصابة ألف آخرين على الأقل نتيجة حوادث من هذا النوع.

لا خيار غيرها !.

أضاف الشاب ويدعى صلاح هادي (28عاما)" ليس لدينا خيار أو حل ثاني، إما أن نعمل أو نلجأ للسرقة، أو ننضم للجماعات المسلحة المتحاربة في اليمن. ومضى يقول"قبل عام ونصف اشتريت هذه الدراجة بـ800 ألف ريال وفرت قيمتها من عملي في مطعم لبيع الكباب تخرجت من الثانوية، لكني لم أستطع الالتحاق بالجامعة بسبب ظروف أسرتي الصعبة”.

توفير فرص العمل.

ذكر بعض المواطنين في العاصمة عدن:" أن الدراجات أصبحت عقب سنوات الصراع توفر فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل، موضحين في الوقت نفسه أن الدراجات تعد أيضاً وسيلة نقل بالأجرة وبات كثير من الناس منهم الفقراء يستخدمونها عند التنقل لقضاء حوائجهم.

ويرى المواطنون أن الدراجات شكلت عاملاً مساعداً لأسر كثيرة في توفير لقمة العيش لها عبر إيجاد فرص عمل لآلاف العاطلين، إلا أن آخرين يرون أن الازدياد الكبير والمتسارع في أعداد الدراجات النارية في العاصمة عدن وغيرها يعد مشكلة كبيرة نتيجة تسببها في وقوع حوادث مرورية كثيرة.

منع الدراجات النارية من الحركة .

من جانب اخر قررت السلطات الأمنية في العاصمة عدن منع حركة الدراجات النارية (ذوات العجلات الثلاث)، بعد أسبوع من الآن.

وأرجعت إدارة أمن عدن أسباب قرارها إلى الحد من ازدحام الشوارع العامة، وعدم الإضرار بالوجه الجمالي للمدينة، بالإضافة إلى دواعي أمنية، وفق بيان رصده موقع ( تحديث نت ).

اقتصاديون يمنيون ربطوا بين قرار منع الدراجات النارية في عدن، والتبعات الاقتصادية والمعيشية المتوقعة، خاصةً أنها تمثل مصدر رزق لآلاف الشباب وتعول مئات الأسر في المدينة.

رئيس قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد، بجامعة عدن، الدكتور سامي محمد قاسم نعمان، علّق على قرار إيقاف ومنع استخدام الدراجات الذي صدر مؤخرًا.

وقال نعمان في تصريحا سابق له إن القرار ليس الأول بل سبقه عدة قرارات كانت تنفذ جزئيًا وهو قرار اتخذ لأسباب أمنية حيث أن الكثير من الجرائم تتم عبر الدراجات النارية من اغتيالات وتقطع وسرقات، بالإضافة للمشاكل المرورية في ظل تزايد كبير لأعدادها بعدن.

كما أن هناك مشكلة أمنية أخرى أخطر برزت مؤخرًا، وهي استخدام الحوثيين لمحركات الدراجات في تصنيع الطائرات المسيرة، وتزايد دخول قطع الغيار هذه عبر التهريب، خاصةً من موانئ التهريب برأس العارة بلحج القريبة من عدن، بحسب نعمان.

ويستدرك: لكن من ناحية أخرى فإن الدراجات تعتبر مصدر رزق للكثير من الأسر، خصوصًا بعض النازحين منهم والمهمشين، وهي الفئات الضعيفة في مجتمع يعاني بالفعل من ارتفاع مستوى البطالة (70 – 80 %)، وارتفاع مستوى الفقر إلى (80 %).

وأشار نعمان إلى أن هذا الوضع يُبرز وجهتي نظر، الأولى أن أغلب من يعملون في هذا المجال هم شباب أقل من 20 عامًا، وبالتالي هم مازالوا في سن الإعالة وليسوا بحاجة ماسة للعمل، بل على العكس، فإن هذا النوع من العمل يشكل خطرًا عليهم.

كما أن إيقافهم عن العمل بالدراجات سيعمل على تحول المواطنين الذين كانوا يلجأون للدراجات في تنقلاتهم للعودة إلى التنقل عبر وسائل المواصلات الأخرى، وهو ما يعني أن هناك فرصة لمن فقدوا عملهم في الدراجات للتحول إلى العمل عبر وسائل المواصلات الأخرى، بحسب الخبير الاقتصادي.

ويواصل: ”أما وجهة النظر الأخرى فترى أن القرار سيؤدي إلى زيادة معاناة الأسر من فقدان مصدر دخلهم، حتى مسألة تحولهم الى أعمال أخرى قد تكون غير ممكنة في ظل عدم قدرتهم الحصول على تمويل لازم لتوفير فرص عمل أخرى، بل إنهم سيخسرون قيمة ما دفعوه لشراء دراجاتهم والتي قد يكون البعض اقترض لشراءها”.

ويشير الدكتور سامي نعمان إلى أن أيًا من وجهتي النظر أو المتطلبات الأمنية كان لابد أن تراعي الجانب الاقتصادي؛ لأنه قد يؤدي لنتائج عكسية في الجانب الاقتصادي، وقد يؤدي لتنفيذ مثل هذه القرارات لازدياد معدلات الفقر والبطالة، وبالتالي ارتفاع نسبة الجرائم.
ويرى الدكتور نعمان أنه كان لا بد قبل اتخاذ القرار إيجاد بدائل اقتصادية مناسبة، مثل الإعلان عن تعويض مالكي الدراجات أو توفير فرص عمل لهم بما يتناسب وقدرات السلطات المحلية المالية، ويوفر قدر بسيط على الأقل من احتياجات هذه الأسر المتضررة من القرار.
يذكر أن السلطات الأمنية في العاصمة عدن سبق وأن منعت الدراجات النارية (ذات العجلتين) قبل سنوات؛ لدواعي أمنية بعد انتشار عمليات القتل والاغتيالات، وهو ما اضطر أصحاب الدراجات إلى تركيب عجلة ثالثة لاستمرار عملهم على الدراجات كمصدر رزق.

وبات سائقوا الدراجات اليوم أمام مخاطر توقف مصدر رزقهم بعد أن خسروا تكاليف تركيب عجلة ثالثة وكرسي إضافي إلى جانب السائق، وتصل تكلفة كل هذه الاستحداثات إلى مئات الآلاف من الريالات.