ويرجع كتاب "اليهود الإيرانيون" لعلي أصغر مصطفوي، تراجع هجرة يهود إيران إلى الكيان الصهيوني مقارنةً بالهجرات اليهودية من أوروبا والغرب عموماً، إلى وطنية اليهود الإيرانيون على حد وصفه، مؤكداً على تمسك يهود إيران بالبقاء فيها، ودفاعهم عنها، معتبراً إن أرض إيران بالنسبة لهم هي أرض كورش مخلصهم، وعليها ضريح "إستر ومردخاي"، وفيها توفي النبي دانيال ودفن النبي حبقوق، هي دولة شوشندخت الزوجة اليهودية الوفية للملك يزدجرد الأول، وتحوي أرضها جثمان بنيامين شقيق سيدنا يوسف عليه السلام.
بالإضافة إلى هذه المقامات التي تربط اليهود بهذا البلد، فإن المعابد والكنائس اليهودية لم تكن في أي وقت مصدر قلق للأنظمة الإيرانية المتعاقبة، فهناك عشرات المعابد والكنائس اليهودية في طهران وأصفهان، أهمها: كنيس يوسف آباد في طهران، وكنيس أبريشمي الذي يقع في مبنى جميل وسط المدينة، ويمكن لقاعته الرخامية والمزينة بثريات كبيرة أن تستوعب 500 شخص على الأقل، وإلى جانب المعابد، يدير يهود إيران مدارس ومكتبة ومستشفى ممولة جزئياً من الأموال العامة.
على الجانب الآخر، تعترف الدولة الفارسية باليهود اللذين يعيشون في كنفها، تحظى بمعاملة لائقة خلافاً للأقليات العرقية والقوميات الأخرى، وهو ما يؤكد عليه يهود إيران أنفسهم، حين يتحدثون عن موقف النظام السياسي منهم، كما أن الممارسات الإيرانية الإيجابية تجاههم، تؤكد بما لا يقبل التأويل، على أنهم مندمجون جيدًا ولا يشعرون بأي نوع من التمييز العنصري،
ولم تجد الحكومة الإيرانية غضاضة في تقديم دعمها المتنوع لليهود، ففي 18 ديسمبر 2014، دشنت نصباً تذكارياً جديداً للجنود الإيرانيين من اليهود الذين قتلوا في الحرب الإيرانية العراقية 1980 - 1988. حيث أقيم النُصب التذكاري داخل مقبرة اليهود في طهران والتي دُفن فيها قتلى المعارك. كُتبت على النصب الكلمات العبرية "شالوم عولام" والتي تعني سلام العالمي، ولم يجد مساعد رئيس الجمهورية لشؤون الأقليات والطوائف "علي يونسي" والنائب الأول لرئيس مجلس الشورى الإيراني "محمد حسن أبو ترابي"، أي نوع من الحرج عند مشاركة اليهود احتفالاتهم.
في هذه الأثناء كان للرئيس روحاني سياسة أكثر تعاطفاً مع اليهود، حين سمح لمدارسهم في 28 فبراير من هذا العام، أن تغلق أبوابها يوم السبت بناءاً على طلبهم. مع تخصيص حوالي 400 ألف دولار لمستشفى يهودي في طهران، داعياً أيضاً المشرع اليهودي الوحيد في البلاد آنذاك إلى مرافقته لحضور جلسة الأمم المتحدة في نيويورك العام الماضي. وعلى النقيض من ذلك تتخذ السلطات الإيرانية سياسات قمعية حين يتعلق الأمر بالأقليات الأخرى، لاسيما السنة، فتمنعهم من بناء مساجد في العاصمة طهران وتمنع أقليات بعينها من الحديث بلغاتها.
ولا يتوقف الدعم الإيراني لليهود عند هذا الحد، فيمتد لأبعد من ذلك، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك على حالة التعاطف الرسمي مع اليهود دون سواها، فتتحرك قوات الحرس الثوري قبل أسابيع قليلة للبحث عن كتاب توراة قديم يعود للجالية اليهودية، كان قد سرق في إقليم شيراز، وهو من أحد المخطوطات الأقدم في العالم، مع إقامة مراسم رسمية شارك فيها نائب الجالية اليهودية في البرلمان الإيراني وسلم رسالة شكر رسمية للسلطات الإيرانية، من قبل اليهود. مبدياً احترامه وتقديره للنظام الإيراني الذي يحترم كثيراً اليهود
وهنا يمكن طرح التساؤل المهم، لماذا تقدم الحكومات الإيرانية المتعاقبة هذا الدعم المتنوع لطائفه اليهودية دون سواها، وتتجنب في نفس الوقت التصادم معها؟
للإجابة على هذا السؤال لابد من التعرف على المكاسب التي تجنيها الجمهورية الإيرانية من اليهود، سواء في الداخل أو في الخارج، لأن يهود إيران لهم إمتدادتهم في الكيان وبعض الدول الغربية لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجاباً على علاقات إيران الخارجية.
فوفقاً لتقارير عدة نشرتها الصحف الصهيونية مؤخراً، فإن أكثر من 30 مليار دولار هي حجم الاستثمارات اليهودية داخل الأراضي الإيرانية،