تحل المناسبات الدينية والوطنية على الشعب اليمني لتنكأ جراحاً غائرة خلفها غياب الدولة وانهيار المؤسسات، وفي غمرة هذه الأيام التي كانت تفوح بالبهجة، يجد المواطن اليمني نفسه مدفوعاً بقوة الواقع المرير إلى استدعاء تفاصيل زمن مضى، زمن كان فيه للوطن هيبة وللمواطن كرامة، حيث يتصدر اسم الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح منصات التواصل الاجتماعي ومجالس اليمنيين في الداخل والخارج كرمز للدولة والاستقرار والاستخلاف الوطني، هذا الاستحضار الشعبي العفوي والمتزايد مع مرور السنوات لا ينبع من مجرد عاطفة عابرة، بل هو محاكمة شعبية واعية يجريها ملايين اليمنيين بين عهدين: عهد الدولة والرخاء والأمان الذي قاده الزعيم الشهيد، وعهد الفوضى والدمار والفقر الذي جلبته نكبة عام 2011م وتوجته المليشيات الحوثية الانقلابية بحربها المدمرة على كل مقومات الحياة، ليتحول استذكار صالح في الأعياد والمناسبات إلى استفتاء شعبي متجدد على حب هذا القائد الذي عاش مع شعبه واستشهد مقبلاً غير مدبر في بلده ومسقط رأسه مدافعاً عن الجمهورية والكرامة.
الدولة الحاضنة وبهجة الأعياد في كنف النظام والقانون
تميز عهد الرئيس علي عبدالله صالح بصياغة مفهوم حقيقي للدولة الحاضنة لجميع أبنائها دون تمييز أو فرز سلالي أو طائفي، وكان للمناسبات الدينية كعيدي الفطر والأضحى والمناسبات الوطنية كأعياد الثورة والوحدة طعم آخر يعكس استقرار المجتمع وطمأنينته، ففي تلك الأيام المباركة كان الزعيم يحرص على مشاركة أبناء الشعب تفاصيل فرحتهم، حيث كانت العاصمة صنعاء وبقية المحافظات تلبس حلة قشيبة من الزينة والأنوار، وتتحول الساحات والحدائق العامة إلى ملتقيات للفرح العفوي، وكانت الدولة بكل أجهزتها الخدمية والأمنية تستنفر لضمان راحة المواطن وتوفير سبل ترفيهه، ولم يكن العيد مجرد إجازة رسمية بل كان تظاهرة وطنية تتجلى فيها هيبة الدولة وأمنها، حيث كان المواطن ينتقل من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب بسيارته وعائلته في أي وقت من الليل أو النهار دون خوف من تقطع أو نهب أو اعتقال على الهوية، مما رسخ في وعي اليمني أن عهد صالح كان عهد الأمان المطلق والسكينة العامة.
الرواتب المنتظمة والقدرة الشرائية صمام أمان الفرحة اليمنية
إن الركيزة الأساسية التي جعلت من الأعياد والمناسبات في عهد الرئيس الشهيد صالح مصدراً للمسرة الحقيقية هي الاستقرار الاقتصادي والمعيشي الذي كان ينعم به المواطن، فقد كانت مرتبات موظفي الدولة ومستحقات المتقاعدين والضمان الاجتماعي تصرف بانتظام صارم ودون تأخير قبل حلول العيد بأيام كافية، بل وكان يرافقها في كثير من الأحيان إكراميات ومكافآت تعين الأسر على تلبية احتياجاتها، وكانت العملة الوطنية تحظى بقيمة شرائية مستقرة وثابتة تحمي مدخرات المواطنين، وتجعل الأسواق تعج بالحركة والنشاط، حيث كانت المواد الغذائية والملابس والحلويات والمواشي متوفرة بأسعار مناسبة وفي متناول الجميع بفضل الرقابة الصارمة للدولة ودعمها للسلع الأساسية والمشتقات النفطية، ولم يكن رب الأسرة يحمل همّ كسوة أطفاله أو توفير جعالة العيد لأن الدخل كان متناسباً مع متطلبات الحياة، مما جعل الفرحة تدخل كل بيت يمني من المهرة إلى صعدة دون غصص أو انكسار.
الخطاب الرئاسي المباشر وقيم التسامح في حضرة الزعيم
شكلت الخطابات الموجهة من الرئيس علي عبدالله صالح إلى الشعب اليمني في عشية كل عيد ومناسبة دينية أو وطنية تقليداً سياسياً واجتماعياً ينتظره الملايين بشغف، حيث تميزت تلك الخطابات باللغة البسيطة والمباشرة القريبة من قلب المواطن العادي، وكان الزعيم يحرص فيها على إرساء قيم التسامح والتصالح والدعوة إلى وحدة الصف والترفع عن الصغائر، كما كانت تتضمن دائماً بشائر للمواطنين بافتتاح مشاريع تنموية جديدة من مدارس ومستشفيات وطرقات وجامعات، وكانت الدولة تفتح أبواب القصر الرئاسي ومقار المسؤولين لاستقبال المواطنين والمهنئين من مختلف أطياف المجتمع في تجسيد حي للتلاحم بين القيادة والشعب، ولم تكن المناسبات الدينية فرصة لفرض الجبايات أو إلقاء المواعظ الطائفية التي تزرع الكراهية، بل كانت محطة لتجديد الولاء للوطن والثورة والجمهورية والوحدة وبث روح الأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل لليمن وأجياله القادمة.
منارات التنمية وافتتاح المشاريع الكبرى أعراس وطنية متجددة
اقترنت المناسبات الوطنية في عهد الزعيم الشهيد صالح بتحولات تنموية كبرى غيرت وجه الجغرافيا اليمنية، حيث كان الاحتفال بأعياد الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر وعيد الوحدة المجيدة في الثاني والعشرين من مايو يعني عملياً تدشين وافتتاح مئات المشاريع الاستراتيجية التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر، فقد شهدت البلاد نهضة عمرانية وتنموية غير مسبوقة شملت شق وتعبيد آلاف الكيلومترات من الطرق الأسفلتية المعلقة بين قمم الجبال، وبناء السدود ومشاريع المياه، وتوصيل شبكات الكهرباء إلى الريف اليمني، وتأسيس الجامعات والمراكز الصحية في كل المحافظات، وكانت هناك الكثير من الانجازات إنجاز واستخراج وتصدير النفط والغاز من الشواهد الحية على قيادة حكيمة تسخر مقدرات البلاد لخدمة التنمية، وتحولت الأعياد الوطنية إلى أعراس حقيقية للإنجاز والبناء والتقدم والازدهار مما جعل لذكرى تلك الأيام مكانة مقدسة في قلوب اليمنيين.
خريف الفوضى
بدأت المأساة اليمنية وتوالت فصول المعاناة مع هبوب رياح الفوضى العارمة في عام 2011، تلك الأحداث المؤسفة التي استهدفت إسقاط الدولة ومؤسساتها تحت شعارات براقة وجوفاء، حيث تسببت تلك الفوضى في تمزيق النسيج الاجتماعي وتقطيع أوصال الوطن وضرب الاقتصاد الوطني في مقتل من خلال استهداف أنابيب النفط وأبراج الكهرباء وتعطيل حركة الإنتاج والاستثمار، ورغم الحكمة والشجاعة التي أبداها الرئيس علي عبدالله صالح في التعامل مع الأزمة وحرصه على حقن دماء اليمنيين من خلال توقيعه على المبادرة الخليجية وتسليمه السلطة سلمياً وديمقراطياً في مشهد حضري غير مسبوق، إلا أن القوى التي قادت الفوضى عجزت عن الحفاظ على الدولة وشرعت في تقاسم الغنائم والمناصب، مما فتح الباب على مصراعيه لبروز المشاريع الصغيرة والتخريبية التي كانت تتربص باليمن الدوائر وتنتظر الفرصة السانحة للانقضاض على النظام الجمهوري.
الانقلاب الكارثي
شكل الانقلاب المشؤوم لمليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران في سبتمبر 2014م الطعنة القاتلة في جسد الدولة اليمنية، حيث عمدت هذه المليشيات السلالية فور سيطرتها على العاصمة صنعاء والمحافظات إلى تجريف الهوية الوطنية وتدمير مؤسسات الدولة ونهب معسكراتها وتحويل البلاد إلى سجن كبير، وتحولت الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية في ظل المليشيات الكهنوتية من مواسم للفرح والبهجة إلى مناسبات للحزن والمآتم ومحطات لفرض الأفكار الطائفية الدخيلة على المجتمع اليمني، وتم استبدال الاحتفالات الوطنية بالثورات المجيدة باحتفالات طائفية ومذهبية مستوردة من قم تكرس الانقسام والفرز المجتمعي، وتحث على الموت والدمار بدلاً من الحياة والبناء، وجرى تحويل المساجد والمدارس إلى منابر لبث سموم الطائفية والكراهية مما أصاب الوجدان اليمني بصدمة عميقة وجعله يتحسر على زمن الدولة والنظام والجمهورية.
سياسة التجويع الممنهج وقطع المرتبات
لقد ألقت الممارسات الاقتصادية الكارثية للمليشيات الحوثية بظلالها القاتمة على حياة اليمنيين، حيث قامت بقطع رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين لسنوات طويلة في أطول عملية تجويع جماعي يشهدها التاريخ الحديث، وصادرت المليشيات الاحتياطي النقدي الأجنبي ونهبت الإيرادات العامة للدولة من ضرائب وجمارك وزكاة وتوجيهها لخدمة ما يسمى المجهود الحربي وإثراء قياداتها السلالية، وصاحب ذلك انهيار تاريخي ومرعب لقيمة العملة الوطنية مما أدى إلى ارتفاع جنوني وغير مسبوق في أسعار السلع الغذائية والأساسية والمشتقات النفطية، وأصبحت الأسر اليمنية عاجزة عن توفير لقمة العيش الضرورية فضلاً عن متطلبات الأعياد، وتحول العيد في عهد الحوثي إلى عبء ثقيل يهدد كرامة رب الأسرة ويملأ قلوب الأطفال بالحسرة والندم، بعد أن اختفت مظاهر الفرح وحلت محلها طوابير البحث عن المساعدات الإغاثية الشحيحة.
الحصار الداخلي وتقطيع أوصال الطرق
من أبشع المآسي التي يعيشها اليمنيون في ظل الانقلاب الحوثي المستمر هو الحصار الجائر الذي تفرضه المليشيات على المدن اليمنية وقطع الطرقات الرئيسية والرابطة بين المحافظات، وتحديداً الحصار الخانق والمستمر على مدينة تعز وغيرها من المناطق والمحافظات، وتحولت رحلة السفر لزيارة الأهل والأقارب في الأعياد والمناسبات من رحلة ممتعة تستغرق ساعات قليلة على طرق ممهدة وآمنة في عهد الزعيم صالح، إلى قطار من العذاب والمخاطر يمتد لأيام عبر طرق وعرة وجبلية غير صالحة للسير، ويتعرض فيها المسافرون لشتى أنواع الانتهاكات والابتزاز والاعتقال والنهب في نقاط التفتيش المستحدثة التابعة للمليشيات، وغابت تماماً حرية التنقل والأمان الاجتماعي، وأصبحت الأسر اليمنية مشتتة ومحرومة من صلة الأرحام والالتقاء في المناسبات بفضل خطوط التماس والالغام التي زرعتها المليشيات في كل مكان.
جبايات المليشيات
لم تكتف المليشيات الحوثية بقطع المرتبات وتدمير الاقتصاد بل حولت مواسم الأعياد إلى مواسم للابتزاز والنهب المنظم بحق التجار وأصحاب المحلات التجارية والباعة، حيث تفرض عليهم جبايات وإتاوات مالية هائلة ومستمرة تحت مسميات طائفية متعددة ومبتدعة، مما دفع بالعديد من التجار إلى إغلاق محلاتهم وهجرة رساميلهم إلى الخارج، وأدى هذا التضييق الممنهج إلى ركود حاد في حركة الأسواق وعزوف المواطنين عن الشراء لعدم قدرتهم المالية، واختفت مظاهر بهجة العيد المعتادة من ساحات المدن وشوارعها، وحلت مكانها شعارات الموت وصور القتلى والمقابر الممتدة التي شيدتها المليشيات في كل حدب وصوب، ليتحول المشهد العام في اليمن إلى لوحة جنائزية حزينة تذكر المواطن في كل لحظة بالفارق الشاسع بين دولة البناء والحياة ودولة الموت والدمار الحوثية.
المقارنة العادلة والاستفتاء الشعبي على حب القائد الشهيد
إن كل هذه المقارنات المؤلمة بين ما كان عليه اليمن من أمن واستقرار ورخاء في ظل حكم الرئيس علي عبدالله صالح، وبين ما آلت إليه الأوضاع الكارثية والمأساوية حتى اللحظة الراهنة، هي التي جعلت من اسم الزعيم الشهيد أيقونة وطنية لا تغيب عن بال وقلب أي مواطن يمني شريف، فالاستحضار الشعبي الواسع لصالح في كل عيد ومناسبة هو بمثابة صرخة رفض جماعية بوجه الكهنوت الحوثي، وتعبير ناصع عن الحنين للدولة والجمهورية والنظام والقانون، ويعترف اليمنيون اليوم بمختلف توجهاتهم السياسية أن عهد الزعيم كان العصر الذهبي لليمن المعاصر، وأن الرجل كان صمام الأمان لوحدة البلاد واستقرارها، ولذلك يظل حياً في ذاكرتهم الجماعية تستلهم منه أجيال الحاضر والمستقبل قيم النضال والجمهورية والحرية حتى استعادة الدولة وتطهير اليمن من دنس الانقلاب الإمامي البغيض.0