آخر الأخبار
​وداعاً للسراويل التقليدية.. كيف تحولت سراويل الكابري إلى الخيار الأول لعشاق الموضة هذا الصيف؟   •   دليلكِ الكامل لأناقة لا تقاوم.. 5 صيحات صيفية من منصات العروض العالمية غادري بها الروتين!   •   دويد يعزي في وفاة الرئيس السابق المشير عبدربه منصور هادي   •   بين ضربات الحظ وعزيمة الإصرار.. شاهدوا كيف صنعت هؤلاء الخليجيات إمبراطوريات من لا شيء؟   •   الخزانة الأمريكية تعلن عقوبات جديدة تستهدف شبكات تمويل النفط التابعة لإيران   •   حين يتحوّل الإحساس إلى هوية فنية.. كواليس رحلة الإبداع والتميز مع هبة إسماعيل.   •   الرطوبة وعدم التهوية: البيئة الرطبة تحفز نمو البكتيريا وتغير لون الجلد.   •   دقت ناقوس الخطر بكلمات حاسمة.. يسرا اللوزي: تدخّل الأهل في حياة الأبناء بعد الزواج قد يدمّرها!   •   أحمد علي عبد الله صالح يعزي في وفاة الرئيس عبد ربه منصور هادي   •   بصمات تخطف الأنفاس.. إكسسوارات النجمات العربيات تكشف أسرار هويتهن الأنيقة!   •  
أخبار محلية

عيد الأضحى في اليمن.. فرح مسلوب ومكابدة للعيش تحت ظلال الانقلاب والتشظي

عيد الأضحى في اليمن.. فرح مسلوب ومكابدة للعيش تحت ظلال الانقلاب والتشظي

أشرقت شمس أول أيام عيد الأضحى المبارك على اليمنيين حاملة معها تفاصيل مشهد إنساني واقتصادي بالغ التعقيد، حيث يصر ملايين المواطنين على انتزاع البهجة من بين ركام الأزمات المتلاحقة والمستمرة منذ سنوات طوال، وتأتي هذه المناسبة الدينية العظيمة والبلاد ترزح تحت سطوة الانقلاب الحوثي وتعيش حالة انقسام سياسي واقتصادي حاد ألقى بظلاله القاتمة على كافة تفاصيل الحياة اليومية للمواطن اليمني الذي بات يصارع لتأمين لقمة العيش وتوفير المتطلبات الأساسية لعائلته عوضاً عن التفكير في مظاهر الاحتفال وصناعة الفرح.. وصار العيد بالنسبة للغالبية العظمى مناسبة مثقلة بالالتزامات المالية التي تفوق قدراتهم الشرائية المنهارة تماماً وامتزجت تكبيرات العيد التي صدحت بها مآذن المساجد في شتى أنحاء البلاد بآهات المواطنين المكتومة جراء الغلاء الفاحش والظروف المعيشية المتدهورة، وتجلى هذا التباين والتشظي بشكل واضح بين مختلف الجغرافيا اليمنية وبين فئات المجتمع من قاطني مناطق سيطرة المليشيا الحوثية إلى المحافظات المحررة وصولاً إلى مخيمات النزوح القسرية وبلدان الاغتراب والمنفى الخارجي ليصبح العيد مرآة تعكس حجم المأساة والوجع اليمني المستمر.

 

صنعاء مكبلة بالجبايات 

في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي مر أول أيام عيد الأضحى وسط أجواء من الكساد التجاري غير المسبوق والهدوء الحذر الذي خيم على الأسواق والساحات العامة، حيث واجه السكان هناك ضغوطاً اقتصادية خانقة نتجت بشكل أساسي عن استمرار انقطاع مرتبات الموظفين الحكوميين لسنوات متتالية، بالإضافة إلى فرض المليشيا لجبايات مالية وإتاوات واسعة النطاق تحت مسميات متعددة على التجار وبائعي المواشي والمحلات التجارية، مما تسبب في قفزات جنونية بأسعار السلع والأضاحي ومستلزمات العيد وبدت أسواق المواشي في صنعاء وذمار وإب والحديدة شبه خالية من المشترين رغم وفرة المعروض من الأغنام والأبقار بعد أن تجاوزت أسعار الأضاحي مستويات قياسية لا تتناسب مطلقاً مع الدخل شبه المنعدم للمواطنين هناك، واكتفت آلاف الأسر بمشاهدة الأضاحي في الأسواق دون القدرة على الشراء، متخلية عن هذه الشعيرة الدينية المهمة لأول مرة في تاريخها، وتحولت طقوس العيد التقليدية في هذه المناطق إلى زيارات عائلية مقتضبة فرضتها الحاجة إلى التوفير والحد من النفقات حيث غابت الأطباق العيدية الدسمة عن موائد الكثير من العائلات وحل مكانها القلق من القادم المجهول في ظل التضييق المستمر على الحريات العامة ومحاولات المليشيا المستمرة لصبغ المناسبات الدينية بصبغة أيديولوجية معينة تبتعد كلياً عن روح التسامح والفرح والشعائر المعتادة التي نشأ عليها اليمنيون طوال العقود الماضية.

 

معاناة الغلاء وتدهور العملة 

لم يكن الوضع بأفضل حالاً في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة في تعز وعدن ومأرب وحضرموت وشبوة وغيرها من المحافظات المحررة، إذ واجه المواطنون هناك وحشاً كاسراً تمثل في الانهيار التاريخي المتواصل لقيمة العملة المحلية الريال اليمني أمام العملات الأجنبية وما ترتب عليه من تضخم متسارع التهم القدرة الشرائية بشكل كامل وجعل من راتب الموظف الحكومي البسيط لا يغطي قيمة ربع أضحية من الحجم الصغير.. وشهد أول أيام العيد في عدن حيرة بالغة لدى أرباب الأسر الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن التوفيق بين شراء الأضحية التي قفزت أسعارها إلى أرقام فلكية وبين كسوة الأطفال وتوفير متطلبات جعالة العيد وضيافته، وسجلت أسواق تعز ومأرب عزوفاً إجبارياً كبيراً عن الشراء واضطر الكثير من المواطنين إلى مغادرة أسواق الأغنام بجيوب فارغة وقلوب مكسورة عاجزين عن إدخال البهجة إلى منازلهم، ورغم هذه المعاناة والانهيار الاقتصادي والخدمي المتمثل في الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي في ظل أجواء الصيف الساخنة حاول السكان صناعة الفرح بجهود ذاتية وتكافلية لافتة، حيث شهدت المتنزهات والحدائق العامة وشواطئ مدينة عدن تدفقاً للعائلات والأطفال بعد عصر العيد للترويح عن النفس ومحاولة نسيان الهموم اليومية المتراكمة، كما برزت مبادرات مجتمعية وخيرية محلية لتقسيم الأضاحي وتوزيع اللحوم على العائلات الأشد فقراً لضمان الحد الأدنى من التكافل الاجتماعي والحفاظ على أواصر الأخوة التي تميز المجتمع اليمني في أوقات الأزمات والشدائد.

مخيمات النزوح 

في زاوية أخرى وعميقة من زوايا المشهد اليمني عاش ملايين النازحين قسرياً في مخيمات النزوح بمحافظة مأرب وفي الساحل الغربي وأطراف تعز ولحج أول أيام عيد الأضحى المبارك تحت وطأة ظروف إنسانية بالغة القسوة والتشرد ووسط خيام مهترئة لا تقي حرارة الشمس ولا تقلبات الطقس، وغابت مظاهر العيد كلياً عن هذه المخيمات التي يعيش قاطنوها على المساعدات الإغاثية الشحيحة والتي تراجعت وتيرتها بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة جراء نقص التمويل الدولي للمنظمات الإنسانية، ولم يكن هناك وجود للشعائر المعتادة أو الأضاحي إلا في حدود ضيقة جداً عبر بعض المشاريع المحدودة للمشاريع الانسانية الوطنية وللجمعيات الخيرية التي لم تغط سوى نسبة ضئيلة من آلاف العائلات النازحة واكتفى الأطفال في المخيمات باللعب في المساحات الترابية الضيقة مرتدين ملابس قديمة أو بالية في مشهد يدمي القلوب ويعكس حجم الفجوة الكبيرة بين حياة الاستقرار ولوعة النزوح، وعبر الكثير من النازحين عن غصتهم الكبيرة في هذا اليوم، مؤكدين أن العيد الحقيقي بالنسبة لهم هو العودة الآمنة إلى ديارهم وقراهم التي هجروا منها قسراً وتوقف الحرب التي مزقت نسيجهم الاجتماعي وحرمتهم من الاستقرار والعيش الكريم، لتظل خيام النزوح شاهدة على مأساة إنسانية منسية تتجدد فصولها المؤلمة مع كل مناسبة دينية دون حلول حقيقية تلوح في الأفق القريب.

المغتربون والمنفيون شوق عارم للأهل 

خارج حدود الوطن وتحديداً في دول الاغتراب والمنفى القسري، عاش مئات الآلاف من اليمنيين أول أيام عيد الأضحى المبارك بمشاعر ممزوجة بالشوق والحنين الجارف للأهل والديار والأسى على الأوضاع المأساوية التي يمر بها وطنهم الأم.. وفي بلدان الخليج العربي التي تضم الكتلة الأكبر من العمالة والمغتربين اليمنيين أدى المغتربون صلاة العيد وتبادلوا التهاني في تجمعات عائلية ومجتمعية محدودة حاولوا من خلالها استحضار الأجواء اليمنية وعادات العيد عبر إعداد الوجبات الشعبية مثل السلتة والزربيان وتبادل الزيارات، لكن غصة الغربة ظلت حاضرة في تفاصيل يومهم خاصة وأن الكثير منهم يقضي العيد بعيداً عن زوجته وأطفاله لسنوات طويلة بسبب تعقيدات وتكاليف إجراءات الاستقدام والإقامة وتضاعفت المسؤولية الملقاة على عاتق المغترب اليمني هذا العام بشكل غير مسبوق، حيث تحولت هواتفهم ومحافظهم الإلكترونية إلى قنوات إغاثة عاجلة لإرسال الحوالات المالية والأموال لعائلاتهم في الداخل لمساعدتهم على شراء الأضحية وكسوة العيد، مما شكل عبئاً مالياً إضافياً كبيراً عليهم في ظل تزايد تكاليف المعيشة والرسوم في بلدان الاغتراب.. 

أما اليمنيون المنفيون والمهجرون قسراً في العواصم العربية والأوروبية المختلفة من سياسيين وإعلاميين ونشطاء فقد مر عليهم العيد في غياهب المنافي يحملون غصة البعد عن تراب الوطن والحرمان من تفاصيل العيد بين الأزقة والشوارع اليمنية العتيقة، وتلخصت احتفالاتهم في اتصالات هاتفية مرئية مع عائلاتهم في الداخل لرؤية وجوه أطفالهم وأقاربهم ومشاركتهم الفرحة عن بعد عبر الشاشات الصغيرة، في محاولة بائسة لتعويض دفئ العائلة والوطن المسلوب.

التكافل الاجتماعي الملاذ الأخير 

أمام هذا الانسداد السياسي والانهيار الاقتصادي الشامل والظروف المعيشية الخانقة التي طالت كافة فئات الشعب اليمني برز التكافل الاجتماعي والشعبي خلال أول أيام عيد الأضحى كصمام أمان وملاذ أخير يمنع المجتمع من الانهيار التام والوقوع في براثن اليأس المطلق، حيث أظهر اليمنيون وعياً كبيراً وتلاحماً إنسانياً فريداً تجسد في انتشار مبادرات عائلية وقبلية ومجتمعية واسعة النطاق تهدف إلى تفقد العائلات المستورة والفقيرة ومشاركتهم لحوم الأضاحي وجعالة العيد بطرق تحفظ كرامتهم وعزة نفوسهم، وحرصت العديد من الأسر الميسورة على التخلي عن مظاهر البذخ والاحتفالات الخاصة والتركيز بدلاً من ذلك على دعم محيطهم الاجتماعي من جيران وأقارب عجزوا عن مجاراة متطلبات العيد.. وسجلت منصات التواصل الاجتماعي حملات واسعة لتشجيع المغتربين والمقتدرين على توجيه صدقاتهم وزكواتهم لدعم مشاريع الأضاحي الجماعية وتوزيع المساعدات النقدية المباشرة تحت مسمى عسب العيد للنساء والأطفال لما له من أثر نفسي كبير في إدخال السرور على القلوب المتعبة.

وتؤكد هذه المظاهر التكافلية أن الروح اليمنية الأصيلة وقيم التراحم والتعاطف لا تزال حية ونابضة رغم محاولات التجريف الممنهج وسنوات الحرب والتشظي الطويلة، وأن المواطن اليمني يمتلك قدرة فائقة على الصمود والابتكار لصناعة الحياة ومقاومة الموت والفقر والتشرد بكل الوسائل المتاحة ليبقى الأمل يحدو الجميع بأن يأتي العيد القادم وقد استعاد اليمن عافيته واستقراره وسلامه الشامل الذي ينهي هذه المعاناة الإنسانية غير المسبوقة.