أخبار محلية

أما بعد.. هيبة الدولة أولا

أما بعد.. هيبة الدولة أولا

حين تولى زياد بن أبيه ولاية البصرة، لم يكن أمامه مجرد مدينة مضطربة، بل كان أمامه مجتمع أنهكته الفوضى، وتنازعته العصبيات، واستشرى فيه الخوف حتى فقد الناس ثقتهم بالأمن والسلطة. لم يبدأ زياد مشاريعه العمرانية، ولم يتحدث عن التنمية والازدهار قبل أن يعالج أصل الداء: غياب هيبة الدولة. أدرك أن العمران لا يقوم فوق الفوضى، وأن الاقتصاد لا يزدهر في ظل الانفلات، وأن الناس لا يلتفون حول السلطة إلا إذا شعروا بأنها قادرة على فرض القانون وحماية الحقوق..

واليوم، وبعد سنوات من الحرب والانقلاب، تقف عدن أمام تحدٍ مشابه، وإن اختلفت الظروف والأزمنة. فعدن ليست مجرد مدينة يمنية أخرى، إنها العاصمة السياسية المؤقتة، ومركز الشرعية، ورمز مشروع استعادة الدولة. وإذا عجزت الدولة عن فرض هيبتها في عدن، فكيف ستقنع اليمنيين بقدرتها على استعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثي؟.

والسؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع إعادة هيبة عدن؟ بل: هل نملك الإرادة السياسية لفعل ذلك؟

لقد تراكمت في عدن خلال السنوات الماضية مشكلات متعددة، انفلات أمني في بعض الفترات، تعدد مراكز النفوذ، ضعف المؤسسات، تراجع الخدمات، وانتشار مظاهر السلاح خارج إطار الدولة. وكل ذلك أضعف صورة العاصمة وأثر على ثقة المواطن بقدرة الشرعية على إدارة المناطق المحررة كنموذج للدولة المنشودة..

والحقيقة التي يجب الاعتراف بها بشجاعة هي أن معركة استعادة الدولة تبدأ من المناطق التي تسيطر عليها الدولة نفسها. فلا يمكن الانتصار على مشروع الانقلاب في الشمال بينما تعاني العاصمة السياسية من اختلالات تمس جوهر فكرة الدولة في الجنوب..

إن استعادة هيبة عدن لا تحتاج إلى شعارات بقدر ما تحتاج إلى مشروع وطني واضح المعالم يقوم على خمسة أسس رئيسية:

أولا: احتكار الدولة للقوة والسلاح، فالدولة لا تكون دولة إذا تعددت مراكز القوة داخلها. يجب أن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون المؤسسات العسكرية والأمنية هي الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح وإنفاذ القانون..

ثانيا: بناء جهاز أمني محترف. الأمن ليس مجرد انتشار للعسكريين في الشوارع، بل منظومة احترافية تعتمد على الكفاءة والانضباط والاستخبارات والتقنية الحديثة، بما يضمن حماية المواطن وملاحقة الجريمة قبل وقوعها..

ثالثا: تفعيل القضاء وسيادة القانون. فالأمن وحده لا يكفي. هيبة الدولة لا تتحقق بالخوف، وإنما بعدالة يشعر المواطن أنها تحميه وتنصفه. حين يرى الناس أن القانون يطبق على القوي والضعيف معا، تبدأ الثقة بالعودة..

رابعا: تحسين الخدمات العامة، فالمواطن يقيس حضور الدولة بما يلمسه في حياته اليومية، كهرباء مستقرة، مياه متوفرة، طرق آمنة، وتعليم وصحة بمستوى مقبول. الدولة التي تعجز عن تقديم الخدمات تفقد جزءا كبيرا من مشروعيتها المعنوية..

خامسا: تقديم عدن كنموذج وطني جامع. يجب أن تكون العاصمة مساحة لكل اليمنيين، بعيدا عن الانقسامات المناطقية والحزبية. فكلما نجحت عدن في تجسيد فكرة الدولة الجامعة، ازدادت قدرتها على قيادة مشروع التحرير واستعادة الجمهورية..

إن الحوثي لم يتمدد فقط بقوة السلاح، بل أيضا بسبب انهيار مؤسسات الدولة وضعفها. ولذلك فإن الرد الحقيقي على الانقلاب لا يكون بالخطاب السياسي وحده، بل ببناء نموذج ناجح للدولة في عدن. فحين يرى اليمنيون مدينة آمنة، ومؤسسات فاعلة، وقانونا محترما، وخدمات تتحسن، سيقتنعون أن مشروع الدولة ما زال ممكنا..

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب تلتف حول الدول القوية العادلة، لا حول الكيانات المرتبكة والمتنازعة. ومن هنا فإن استعادة هيبة عدن ليست قضية محلية تخص أبناء المدينة وحدهم، بل هي قضية وطنية ترتبط بمستقبل اليمن كله. فعدن القوية تعني شرعية قوية، وشرعية قوية تعني قدرة أكبر على حشد الداخل والخارج لإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.

أما بعد..

فإن الطريق إلى صنعاء يبدأ من عدن، والطريق إلى استعادة الجمهورية يبدأ من استعادة هيبة الدولة. وما لم تصبح عدن نموذجاً حقيقيا للدولة التي نحلم بها، سيظل مشروع التحرير ناقصا مهما تحققت من انتصارات عسكرية، فالدول تستعاد من عواصمها، والهيبة هي أول لبنة في بناء الأوطان..