بينما ينشغل المواطن العدني بالبحث عن نسمة هواء باردة في صيف المدينة الحارق، يبدو أن هناك قطاعاً آخر قرر أن ينافس حرارة الجو بطريقته الخاصة. فجأة، وبدون سابق إنذار، تحولت أسواقنا ومولاتنا التجارية إلى "ساحات تجارب" لألسنة اللهب، وسط صمت مطبق ومثير للريبة من قِبل جهات الاختصاص، التي يبدو أنها تتابع المشهد بـ"دم بارد" للغاية، يحسدها عليه المواطن الذي يكتوي بنار الخسائر والخوف.
من "الأهرام" إلى "كوز مارت".. المسلسل مستمر
لم يكد الشارع العدني يستوعب الصدمة التي خلفها حريق مركز الأهرام التجاري، حتى فُجع الجميع مؤخراً بالكارثة التي حلت بمول "كوز مارت"، ناهيك عن سلسلة الحرائق الغامضة والمتكررة التي ضربت مواقع عدة في مديريتي المنصورة وكريتر.
المشهد بات مكرراً ومملاً في تفاصيله الحزينة:
- شرارة مفاجئة (غالباً ما تُقيد ضد مجهول يُدعى "الماس الكهربائي").
- تصاعد لأعمدة الدخان الأسود التي تغطي سماء المدينة.
- ركود تام حتى تأتي سيارات الإطفاء (إذا وصلت في الوقت المناسب وبخزان ممتلئ بالماء!).
- رماد وخسائر بمليارات الريالات تنتهي بعبارة "الحمد لله على قضاء وقدره".
جهات الاختصاص: "لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم"
اللافت في الأمر ليس تكرار الحرائق بحد ذاته، بل ذلك الهدوء والسكينة اللذان تتحلى بهما الجهات المعنية والدفاع المدني. فالمتابع لردود أفعالهم يُخيّل إليه أن الحرائق تحدث في كوكب آخر، أو أن هذه الجهات تتبع استراتيجية "دعه يحترق، دعه يمر".
موقف يُحسدون عليه
تعامل جهات الاختصاص مع هذه الكوارث المتلاحقة يقترب من البرود الفلسفي. لا لجان تحقيق جادة تُنشر نتائجها، ولا حملات تفتيش صارمة على منظومات السلامة في المنشآت الكبرى، ولا حتى بيان "رفع عتب" يشعر المواطن بأن هناك من يكترث. يبدو أن شعار المرحلة بالنسبة لهم هو: "الحريق يطهر الأماكن.. فلماذا نتدخل؟".
إذا استمر هذا الصمت، فربما علينا قريباً أن نتوقع من الدفاع المدني أن يكتفي بإرسال "رموز تعبيرية نارية" على مجموعات الواتساب كنوع من التضامن، بدلاً من تحريك سيارات الإطفاء!
تحت الطاولة يتحدث الجميع عن الأسباب الحقيقية، لكن من فوق الطاولة لا شيء جديد، ولا شيء يحدث من إجراءات حقيقية للتغلب على هذه المشكلة. بل إن هناك خطراً أكبر يتمثل في المولدات التي تبث الكهرباء للمستشفيات، والمزروعة بين أحواش العمارات، والتي تهدد حياة آلاف المواطنين، ولا نرى أي جهة تتحرك لوقف مثل هذه المهازل والكوارث.
ونضرب مثالاً بالمولدات التي تتبع برج الأطباء ومستشفى ريدان ومستوصف فيروز ومستوصف المدينة في مديرية المنصورة، حيث تحيط بهذه المواقع مبانٍ سكنية يعيش فيها مئات الأسر، فيما يتصاعد الدخان من هذه المولدات بشكل مستمر. وإن لم تتسبب في حرائق، فإنها تشكل كارثة أكبر على حياة المواطنين بسبب الدخان السام الذي ينبعث منها.
وفي الوقت نفسه، رفع المسؤولون وجهات الاختصاص شعار: "لا نرى، لا نسمع، ولا نتكلم".
العشوائية في الربط الكهربائي
- خطوط طاقة متشابكة ومحولات متهالكة تتحدى قوانين الفيزياء يومياً.
- غياب منظومات الإطفاء الذاتي.
- مولات ضخمة تُكلف ملايين الدولارات، لكنها تستخسر شراء طفايات حريق صالحة للاستخدام أو تركيب شبكة رشاشات مياه سقفية.
غياب الرقابة:
- تراخيص تُمنح ومنشآت تُفتتح دون أدنى فحص لمعايير السلامة المهنية، وكأن السلامة مجرد رفاهية لا تليق بوضعنا الحالي.
دق ناقوس الخطر.. قبل أن تحترق عدن بأكملها
إن الاستمرار في سياسة "التطنيش" والتعامل مع احتراق المجمعات التجارية الكبرى كأنه مجرد "حادث عرضي" في حارة شعبية، هو الكارثة الأكبر. فالمنصورة وكريتر وبقية المديريات باتت قنابل موقوتة، والأسواق المكتظة بالبشر قد تتحول في أي لحظة إلى مقابر جماعية إذا لم تفرض السلطة المحلية هيبتها، وتجبر مالكي هذه المنشآت على تطبيق معايير السلامة بالقوة، بدلاً من الوقوف في مدرجات المتفرجين.
يا فخامة جهات الاختصاص.. تحركوا قبل أن تصبح عدن بأكملها مجرد "رماد" تبكون عليه في قاعاتكم المكيفة!