مع اقتراب موعد ما يسمى بـ"يوم الولاية"، تكثف مليشيا الحوثي من استعداداتها السنوية في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المحافظات الخاضعة لسيطرتها، عبر حملة تعبئة واسعة تشمل المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والأسواق والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام المحلية، في مشهد يتكرر كل عام لكنه يتخذ هذه المرة أبعاداً أكثر اتساعاً في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي يعيشها اليمنيون، واستمرار الأزمة الإنسانية والمعيشية التي تثقل كاهل ملايين السكان.
وخلال هذه الأيام، تشهد شوارع صنعاء ومدن أخرى في محافظات إب وذمار وعمران والمحويت والحديدة وحجة وصعدة موجة متسارعة من أعمال التزيين ونصب اللافتات والشعارات المرتبطة بالمناسبة، بالتزامن مع تحركات مكثفة للمشرفين الحوثيين ومكاتب السلطات المحلية الخاضعة للمليشيا لحشد المواطنين وإلزام المؤسسات المختلفة بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التي تعتزم المليشيا تنظيمها طوال الأسابيع المقبلة.
ويقول سكان محليون، إن المظاهر المرتبطة بالمناسبة بدأت بالظهور بشكل لافت في الشوارع الرئيسة والميادين العامة والمباني الحكومية، حيث انتشرت اللوحات الإعلانية والملصقات والعبارات الدعائية التي تروج لخطاب المليشيا المرتبط بمفهوم "الولاية"، بينما باشرت فرق ميدانية تابعة لها تنفيذ حملات واسعة لتزيين الشوارع بالأعلام واللافتات الطائفية، في وقت تعاني فيه معظم المدن الخاضعة لسيطرتها من تردي الخدمات الأساسية وانقطاع الكهرباء وتهالك البنية التحتية.
تعميمات وتحشيد رسمي
وبحسب مصادر مطلعة في مؤسسات حكومية خاضعة لسيطرة المليشيا، فقد صدرت خلال الأيام الماضية توجيهات وتعميمات غير معلنة تلزم مختلف الجهات الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة بالمشاركة في فعاليات يوم الولاية، سواء من خلال تنظيم أنشطة داخلية أو عبر حشد الموظفين للمشاركة في الفعاليات المركزية التي تعتزم المليشيا إقامتها في عدد من المحافظات.
وأفادت المصادر بأن المشرفين الحوثيين في الوزارات والهيئات الحكومية بدأوا بعقد اجتماعات مكثفة مع الإدارات المختلفة لوضع خطط المشاركة وتحديد نسب الحضور المطلوبة من الموظفين، فضلاً عن جمع مساهمات مالية لدعم الأنشطة المصاحبة للمناسبة.
وتشير المعلومات إلى أن بعض المؤسسات الحكومية تلقت توجيهات بتخصيص جزء من إمكاناتها اللوجستية والبشرية لخدمة الفعاليات، بما في ذلك توفير وسائل النقل وتنظيم حملات إعلامية داخلية وتوزيع مواد دعائية على الموظفين، الأمر الذي يثير انتقادات واسعة من قبل مراقبين يرون أن مؤسسات الدولة يتم تسخيرها بصورة متزايدة لخدمة أجندة المليشيا السياسية والفكرية.
ويؤكد موظفون في عدد من المؤسسات الحكومية أن المشاركة في هذه الأنشطة غالباً ما تتحول إلى التزام غير مباشر، حيث يتعرض الممتنعون أو المتغيبون لضغوط مختلفة قد تشمل الاستبعاد من بعض الامتيازات الوظيفية أو التعرض للمساءلة من قبل المشرفين التابعين للمليشيا.
الأسواق تحت ضغط الجبايات
بالتوازي مع التعبئة الرسمية، تشهد الأسواق والمراكز التجارية حملة مالية واسعة تستهدف التجار وأصحاب المنشآت الاقتصادية، إذ بدأت فرق ميدانية بالنزول إلى المحلات التجارية والأسواق الشعبية والمراكز التجارية الكبرى لفرض مساهمات مالية تحت مسميات دعم فعاليات يوم الولاية.
ويؤكد تجار في صنعاء وإب والحديدة أن هذه الحملة تأتي بعد فترة قصيرة من موجة جبايات سابقة فرضتها المليشيا خلال موسم عيد الأضحى، الأمر الذي ضاعف الضغوط المالية على القطاع الخاص الذي يعاني أصلاً من ركود اقتصادي حاد وتراجع كبير في القوة الشرائية للمواطنين.
ويشير عدد من رجال الأعمال إلى أن المبالغ المفروضة تختلف من منشأة إلى أخرى بحسب حجم النشاط التجاري، إلا أن القاسم المشترك بينها هو الطابع الإلزامي الذي يرافق عمليات التحصيل، حيث يجري التعامل مع هذه المساهمات باعتبارها التزاماً مفروضاً لا يملك كثير من التجار القدرة على رفضه.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات المتكررة يؤدي إلى إضعاف النشاط التجاري وإرهاق القطاع الخاص الذي يمثل أحد أهم القطاعات الاقتصادية القادرة على توفير فرص العمل والحفاظ على الحد الأدنى من الحركة الاقتصادية في البلاد.
كما يرون أن انعكاسات هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود التجار وأصحاب المنشآت، بل تمتد إلى المستهلكين الذين يتحملون جزءاً من الأعباء من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات نتيجة زيادة تكاليف التشغيل والإنتاج.
المدارس والجامعات في دائرة الاستهداف
ولا تقتصر الاستعدادات على المؤسسات الحكومية والأسواق فحسب، بل تمتد إلى المدارس والجامعات التي تشكل إحدى أهم ساحات التعبئة التي تعتمد عليها المليشيا في الترويج للمناسبة.
وتفيد مصادر تربوية بأن عدداً من المدارس تلقى توجيهات بتنظيم فعاليات ومحاضرات وأنشطة ثقافية مرتبطة بيوم الولاية، على الرغم من أن المدارس مغلقة في هذه الفترة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي إلا أن مديري المدارس والمعلمين في تلك المدارس أُلزموا من قبل المليشيا بدعوة الطلاب وأولياء الأمور بالحضور وإقامة فعاليات وبرامج توعوية داخل المدارس تتناول المضامين الفكرية والعقائدية التي تسعى المليشيا إلى ترسيخها.
كما بدأت بعض الجامعات والكليات الخاضعة لسيطرة المليشيا بالتحضير لإقامة ندوات ومحاضرات وفعاليات جماهيرية تتزامن مع المناسبة، وسط مخاوف من استمرار استغلال المؤسسات التعليمية لأغراض التعبئة الفكرية والسياسية بعيداً عن رسالتها التعليمية والأكاديمية.
ويرى تربويون وأكاديميون، أن هذه الأنشطة تسهم في توسيع دائرة الاستقطاب الفكري داخل المجتمع، وتؤثر سلباً على البيئة التعليمية التي يفترض أن تظل بعيدة عن التوظيف السياسي والصراعات الأيديولوجية.
حضور إعلامي مكثف
وفي الجانب الإعلامي، كثفت وسائل الإعلام التابعة للمليشيا من تغطياتها وبرامجها المرتبطة بالمناسبة، حيث خصصت مساحات واسعة من نشراتها وبرامجها التلفزيونية والإذاعية والصحفية للترويج ليوم الولاية والدعوة إلى المشاركة في فعالياته.
كما تشهد منصات التواصل الاجتماعي التابعة للمليشيا وأنصارها حملات دعائية واسعة تتضمن نشر مواد إعلامية وتصاميم وشعارات مرتبطة بالمناسبة، بالتزامن مع إطلاق وسوم وحملات إلكترونية تهدف إلى تعزيز الحضور الإعلامي للفعالية وإبرازها باعتبارها حدثاً مركزياً في أجندة المليشيا السنوية.
يقول مراقبون، إن هذا الحضور الإعلامي المكثف يعكس الأهمية التي توليها المليشيا للمناسبة بوصفها إحدى أبرز المحطات التعبوية التي تستخدمها لترسيخ خطابها السياسي والعقائدي وحشد أنصارها في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها.
إنفاق واسع وسط أوضاع معيشية متدهورة
وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحضيرات على نطاق واسع، تبرز تساؤلات متزايدة حول حجم الأموال التي يتم إنفاقها على الفعاليات والأنشطة المرتبطة بيوم الولاية، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان.
ويرى متابعون أن المظاهر الواسعة للتجهيزات والدعاية والأنشطة المختلفة تعكس وجود موارد مالية كبيرة يتم تسخيرها لخدمة المناسبة، سواء عبر الجبايات المفروضة على التجار أو من خلال الموارد التي يتم تحصيلها من المؤسسات المختلفة الخاضعة للمليشيا.
ويشير هؤلاء إلى أن هذه الأموال كان يمكن توجيهها نحو تحسين الخدمات الأساسية أو معالجة بعض الأزمات التي يعاني منها المواطنون، وفي مقدمتها أزمة الرواتب وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية وتراجع البنية التحتية.
ويؤكد اقتصاديون أن استمرار تخصيص موارد ضخمة للفعاليات التعبوية والدعائية يأتي في وقت تواجه فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية قاسية نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل واتساع دائرة الفقر، ما يجعل الفجوة أكثر وضوحاً بين أولويات المواطنين واهتمامات المليشيا.
مناسبة تتجاوز البعد الديني إلى التوظيف السياسي
ويرى باحثون ومراقبون أن ما يسمى يوم الولاية يمثل بالنسبة لمليشيا الحوثي أكثر من مجرد مناسبة دينية، إذ تحول خلال السنوات الماضية إلى منصة سياسية وإعلامية تستخدمها المليشيا لتعزيز خطابها الأيديولوجي وإعادة إنتاج سرديتها الخاصة بشأن السلطة والحكم والشرعية، مشيرين إلى أن المليشيا تعمل سنوياً على توسيع نطاق الاحتفاء بالمناسبة وإضفاء طابع جماهيري ورسمي عليها من خلال إشراك المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والهيئات التعليمية والإعلامية في مختلف الأنشطة المرتبطة بها.
وبحسب المراقبين، فإن هذا التوسع المستمر يعكس حرص المليشيا على ترسيخ مفاهيمها الفكرية داخل المجتمع وإضفاء طابع مؤسساتي عليها، بما يضمن استمرار حضورها في مختلف مفاصل الحياة العامة.
ومع احتفاء الحوثيين بهذه المناسبة منذ مطلع هذا الأسبوع انطلاقاً لموعد الفعاليات الرئيسية، تبدو المدن الخاضعة لسيطرتهم أمام مشهد تعبوي متكامل تتداخل فيه الجوانب السياسية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية، فيما يواصل المواطنون والتجار والموظفون تحمل أعباء إضافية في ظل ظروف معيشية تزداد صعوبة عاماً بعد آخر.
وفي حين تستعد المليشيا لتنظيم احتفالاتها السنوية المرتبطة بما يسمى يوم الولاية، يبقى السؤال الأبرز لدى كثير من اليمنيين متعلقاً بكلفة هذه الفعاليات وانعكاساتها على حياتهم اليومية، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والإنسانية، وتتراجع فرص التعافي والاستقرار في بلد أنهكته سنوات الانقلاب والحرب والانقسام والصراع.