شكّل تفجير جامع دار الرئاسة في الثالث من يونيو 2011 محطة مفصلية في تاريخ اليمن، ولحظة انقلبت بعدها مسارات السياسة إلى مسلسل دموي من الصراع على السلطة، حيث استُبدلت البندقية بصندوق الاقتراع أداةً لتداول السلطة، في لعبة أتقنها الإرهابيون والانقلابيون الذين شاركوا في إسقاط الوطن في مستنقع الدماء.
لم تكن عملية التفجير الإرهابية مجرد محاولة لاستهداف الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح وكبار قيادات الدولة، بل بدت كضربة موجهة إلى قلب الدولة ورمز شرعيتها، في مسعى لإرباك بنيتها وفتح الباب أمام مرحلة من الاضطراب السياسي والأمني.
وقد جاءت تلك اللحظة لتتحول لاحقاً إلى شرارة امتدت آثارها في المشهد اليمني، حيث استفادت منها قوى إقليمية، وفي مقدمتها النظام الإيراني، الذي كان يعزز حضوره عبر مليشيا الحوثي في جبال صعدة وكهوفها، حتى وجد في الانفلات الذي أعقب ذلك فرصة نادرة لتوسيع نفوذه، في سياق تداخلت فيه حسابات الداخل مع طموحات الخارج على حساب استقرار اليمن ودماء أبنائه.
جاء التفجير في ذروة أزمة سياسية خانقة، واستهدف إحداث فراغ دستوري يُغرق اليمن في فوضى شاملة، وهو ما تحقق فعلياً في السنوات التالية.
في تلك اللحظة، كشف منفذو الجريمة عن بدائلهم الدموية، بعدما فشلوا في زعزعة النظام بالطرق الشكلية، فاختاروا استهداف رئيس الجمهورية وكبار قيادات الدولة في مسجد دار الرئاسة، في عمل إجرامي يعكس سردية واضحة للقتل وتدمير الدولة.
ولم يكن أقل صدمةً رد فعل الإخوان المسلمين في اليمن، إذ بادر أتباعهم فور وقوع التفجير إلى إظهار فرحتهم عبر خطباء صلاة الجمعة في ساحات الاعتصام بجامعة صنعاء، ومن خلال وسائل إعلامهم الموالية، بل وتصدرت تصريحات قياداتهم المشهد من دون أي وازع مسؤول، فيما أغلق الحزب أذنيه عن إدانة الجريمة.
تفجير جامع دار الرئاسة لم يكن مجرد عمل إرهابي، بل جريمة مكتملة الأركان استهدفت رأس الدولة وقياداتها العليا في وقت بالغ الحساسية، بما يعكس تخطيطاً ممنهجاً لإحداث زلزال سياسي وأمني في البلاد.
واليوم، بعد مرور خمسة عشر عاماً على تلك الجريمة، يظل استهداف كبار قيادات الدولة في جامع دار الرئاسة شاهداً دامغاً على دموية جماعات الإخوان ومليشيا الحوثي، وعلى نهجهم الإرهابي المدمر للوطن، من خلال استهداف أركان الدولة في عملية لم يسبق لها مثيل، وأدانتها الشرائع والأعراف والأمم.
وإلى اليوم، لم يُقرّ المتآمرون بأي ذنب ارتكبوه، ولم تدرك تلك الفئة الباغية حجم ما تسببت فيه من دمار. فاستهداف الرئيس علي عبدالله صالح عام 2011، ثم استكمال تنفيذ المخطط في عام 2017، لم يكن سوى امتداد لأيديولوجية واحدة، بغض النظر عن اختلاف المسميات أو تغير الأشخاص.
هذه الجماعات لا تعترف بالدولة، ولا تهتم بمؤسساتها أو بخطط صون جمهوريتها، وإنما تتحكم فيها أيديولوجيات تيارات إسلاموية متشددة، حيث الغاية تبرر الوسيلة، وتصبح الولاءات لمصالحها العليا فوق كل اعتبار.