أخبار محلية

تفجير دار الرئاسة .. حين اغتالت يد الإرهاب السكينة في بيت الله

المنتصف نت- المنتصف نت 03/06/2026 14:26 342 مشاهدة
تفجير دار الرئاسة .. حين اغتالت يد الإرهاب السكينة في بيت الله

في الثالث من يونيو عام 2011م، لم يكن ذنب اللحظة إلا أنها حملت طهر الجمعة وسكينة الصلاة. في ذلك اليوم المشؤوم، امتدت يد الغدر والخيانة بأبشع صورها لتنتهك مقدسات الأرض والسماء معًا، مستهدفة جامع النهدين بدار الرئاسة. لم يكن الحادث مجرد محاولة اغتيال سياسية للزعيم الراحل علي عبدالله صالح وكبار رجالات الدولة، بل كان إعلانًا صريحًا عن تجرد مرتكبيه من ذرة دين أو خلق أو إنسانية. أن تُسفك الدماء وتُزرع المتفجرات في بيت من بيوت الله، وسط الركوع والسجود، لهو دليل قاطع على أن من خطط ونفذ هذا العمل الإرهابي قد انسلخ تمامًا من قيم العروبة والإسلام، وباع روحه لظلام الحقد الأعمى.

تنقلب الصفحات، وتمر السنوات، لكن بشاعة الجرم تظل شاخصة في ذاكرة اليمنيين. نفتح في هذا التحقيق الصحفي دفاتر تلك الفاجعة، ونستنطق ملامحها عبر لقاءات مع شخصيات من مختلف الشرائح، شهودًا على المأساة ومحللين لأبعادها.

نبض الشارع والوجدان الشعبي
أحمد عبده المغلس (مواطن متقاعد وشاهد على الحقبة) يقول:"كنا ننتظر خطبة الجمعة لتبث فينا الأمل وسط أزمة طاحنة، فإذا بنا نُصعق بنبأ تفجير المسجد. سألت نفسي حينها: كيف لآدمي أن يزرع الموت في مكان يُقال فيه: الله أكبر؟ الرئيس علي عبدالله صالح، بكل ما كان يمثله من صمام أمان للدولة، كان يصلي بين يدي الله. من يقوم بهذا لا يملك ذرة أخلاق ولا أي وازع ديني؛ إنهم مسوخ بشرية أرادوا جر الوطن إلى مستنقع الدم، وقد فعلوا."

مقاربة الدين والشرع
الشيخ كامل ماجد، خطيب مسجد، قال:"للمساجد في ديننا حرمة غليظة لا يجرؤ على انتهاكها إلا من طمس الله على قلبه وبصيرته. إن تفجير جامع الرئاسة في يوم جمعة مبارك، واستهداف المصلين وعلى رأسهم ولي الأمر ورجال الدولة، جريمة مركبة تجمع بين الغدر واستباحة دماء المسلمين وهتك حرمة بيوت الله. لقد تجرد الفاعلون من كل القيم الأخلاقية والإسلامية، ووضعوا أنفسهم في خندق أعداء الأمة، فالإسلام بريء من هذا الغدر الفاضح."

جراح الضحايا وشهادة النخبة رائد علي التميمي (إعلامي عاصر الأحداث عن قرب) قال:
"لم يكن المستهدف مجرد شخص الرئيس علي عبدالله صالح، بل كانت الدولة اليمنية وهيبتها. لقد رأينا رجالًا أفاضل وقامات وطنية، كالأستاذ عبدالعزيز عبدالغني وغيره، يسقطون شهداء ومصابين جراء هذا الحقد الأسود الدخيل على بلادنا. لقد كشف التفجير العورات الأخلاقية لمن يدعون النضال، فلا يمكن أن يستقيم ادعاء السعي نحو بناء وطن من خلال تدمير أقدس مقدساته. لقد كان الحادث طعنة في خاصرة الشرف اليمني.
هؤلاء لم يبحثوا عن مصلحة الوطن أو الشعب، بل سعوا إلى الاستحواذ على السلطة ونهب ممتلكات الشعب. وبرأيي، فإن من تجرأ على تدنيس بيت من بيوت الله بالدماء لا يُؤتمن على مصالح الناس ولا على مستقبل الوطن."

إرهابيون أدمنوا الجريمة
جهاد عبد الواسع، رجل أمن، قال:
"من الناحية العسكرية والأمنية، كان التفجير عملية غادرة ومخططًا لها من قبل عقول أدمنت الجريمة المنظمة. لم تكن مواجهة شجاعة في ميدان، بل خيانة داخلية رخيصة استغلت طمأنينة المصلين. لقد أثبتت هذه الحادثة أن الإرهاب لا دين له ولا أخلاق، بل هو عقيدة تدميرية تفتقر إلى أدنى مقومات الشجاعة والإنسانية، وأن مرتكبيها لم يمتلكوا ذرة من القيم أو الأخلاق، إذ لم يكن يعنيهم سوى تحقيق مصالحهم الشخصية الدنيئة مهما كانت الوسائل."

قراءة في القانون الجنائي والدولي
"توصيف الجريمة في القانون الدولي والوطني يندرج تحت بند العمل الإرهابي مكتمل الأركان، والمتصل بجرائم استهداف الأعيان المدنية والدينية. لقد تجاوز المعتدون كل الخطوط الحمراء والأعراف الإنسانية. وعندما يصبح المسجد مسرحًا لتصفية الحسابات السياسية، فإننا نتحدث عن انهيار كامل للمنظومة الأخلاقية والقيمية لدى الجناة، مما يجعل محاكمتهم تاريخيًا وأمام القضاء واجبًا لا يسقط بالتقادم."

يبقى الثالث من يونيو 2011م شاهدًا حيًا على عمق المأساة التي حلّت باليمن، ليس لأنها غيّرت مجرى السياسة فحسب، بل لأنها كشفت عن وجه كالح لإرهاب لا يرقب في مؤمن ولا في وطن إلًّا ولا ذمة.

إن اللعنة الأخلاقية والتاريخية ستظل تلاحق كل من خطط ونفذ وبارك ذلك التفجير الآثم، وتظل دماء الشهداء وأوجاع الجرحى صرخة حق في وجه باطل الإرهاب المتجرد من كل شيم المروءة والأخلاق.