المزايدون في الدين أخطر على الدين من أعدائه المعلنين؛ أولئك الذين يجعلونه سلعة للمزايدة، يرفعون شعاراته حين تخدم مصالحهم، ويغضّون الطرف عن قيمه حين تتعارض مع أهوائهم.
المزايد في الدين لا يبحث عن الحق بقدر ما يبحث عن التفوق على الآخرين، فيوزّع صكوك الإيمان والتقوى، ويقيس الناس بمظاهرهم، بينما يتجاهل جوهر الدين القائم على العدل والرحمة والصدق وحفظ الكرامة الإنسانية.
تراه يشتد غضبه لقضية معينة، لكنه يصمت أمام الظلم والجوع والفساد وانتهاك الحقوق. ويكثر من الحديث عن أخطاء الناس الصغيرة، بينما يتجاوز عن الكوارث الكبيرة التي تمس حياة المجتمع ومستقبله.
الدين لم ينزل ليكون أداة للتخوين أو وسيلة لتصفية الحسابات، بل جاء ليهدي الناس إلى مكارم الأخلاق، ويقيم العدل بينهم، ويزرع الرحمة في قلوبهم.
ولهذا فإن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس ضعف التدين، بل تحويل الدين إلى ساحة للمزايدات والصراعات، حيث يرتفع صوت المتشددين والمتاجرين، بينما تضيع القيم الحقيقية التي جاء بها الدين.
فكفى مزايدة، وكفى احتكارًا للحقيقة. فالله أعلم بالقلوب، والناس أحوج إلى القدوة الحسنة من حاجتهم إلى الخطب الصاخبة والشعارات المرتفعة.
ولعل من أوضح صور المزايدة ما نراه أحيانًا في التعامل الانتقائي مع الأحداث والفعاليات العامة. فالبعض يشن حملات واسعة ضد حفل أو مهرجان هنا أو فعالية هناك، ويقدّم نفسه حارسًا للدين والأخلاق، بينما يلوذ بالصمت عندما يتعلق الأمر بالمظالم الأكبر التي تمس حياة الناس مباشرة.
فكيف يصبح الغناء أو الاحتفال قضية تستحق كل هذا الغضب، في حين لا نجد الحماسة نفسها تجاه الفساد، ونهب المال العام، وانتهاك الحقوق، وتعطيل مصالح الناس، وإشاعة الكراهية، وسفك الدماء، وتدمير فرص الحياة الكريمة؟
إن العدالة لا تتجزأ، والدين لا يُختزل في موقف من حفل أو مناسبة، بل يُقاس بمدى الانتصار للحق والرحمة والكرامة الإنسانية في كل القضايا. أما أن ندين ما يفعله الآخرون ونتجاهل الأخطاء والتجاوزات القريبة منا، فذلك ليس دفاعًا عن الدين، بل صورة من صور الانتقائية.
لذلك فإن الدين الحنيف أكبر من أن يُستخدم في المعارك الصغيرة أو المزايدات الموسمية. فالدين الذي يأمر بالعدل والرحمة لا يمكن أن يكون شاهد زور على الظلم، ولا أن يتحول إلى أداة لمهاجمة مناسبة هنا والتغاضي عن مآسٍ أكبر هناك.
وما أحوج الناس اليوم إلى من يدافع عن قيم الدين الحقيقية، لا إلى من يرفع شعاراته عندما توافق هواه ويتركها عندما تتعارض مع مصالحه.