عدن | تحقيق استقصائي
تواجه وزارة التخطيط والتعاون الدولي في العاصمة المؤقتة عدن موجة عاتية من الاتهامات الشعبية والسياسية الصارمة، والتي تجاوزت مربع النقد لتصل إلى اتهامات صريحة بالعجز الإداري، والتواطؤ الفج، وتمرير ممارسات للمنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة تصب مباشرة في مصلحة النفوذ الاقتصادي لمليشيا الحوثي الإرهابية، مما يعزز قدرة سلطة الانقلاب في صنعاء على سحب السيولة النقدية وتجفيف اقتصاد المناطق المحررة.
هذا الحنق العام تفجر عقب كشف ملفين شديدي الحساسية، يربطان بين هدر المال العام داخل الوزارة من جهة، وتمرير عقود تجارية مشبوهة لقيادات حوثية تحت غطاء العمل الإغاثي من جهة أخرى.
الملف الأول: مقر مصغر بـ"الدولار" وطلب ميزانية أثاث بـ 50 مليوناً
كشفت مصادر صحفية محلية في عدن عن قفزة هدر مالي غير مبررة لوزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، تمثلت في الخطوات التالية:
• عقد الفيلا الفاخرة: استئجار فيلا خاصة في مديرية خور مكسر (بالقرب من مبنى المحكمة العليا) لتكون مقراً مصغراً للوزارة، بقيمة إيجارية بلغت 5,000 دولار أمريكي شهرياً (بدأ سريان العقد منذ مارس 2026)، حيث جرى دفع إيجار 6 أشهر مقدماً من خزينة الدولة العامة.
• تصفير مكاتب التواهي: تأتي هذه المقامرة المالية بالعملة الصعبة على الرغم من أن الوزارة تمارس عملها بكفاءة كاملة ومن دون أي أعباء مالية من مبنى توفره السلطة المحلية بمديرية التواهي.
• فاتورة الأثاث الفلكية: لم يتوقف الأمر عند الإيجار؛ بل رفعت الوزيرة مذكرة لرئاسة الوزراء لمخاطبة وزارة المالية لتوفير موازنة إضافية تتجاوز 50 مليون ريال يمني مخصصة فقط لتأثيث وتجهيز هذا المقر الجديد، وهو ما وصفه خبراء اقتصاديون بأنه سلوك باذخ ومستفز لبلد يمر بأسوأ أزمة اقتصادية وإنسانية في العالم.
الملف الثاني: استقصاء "البدري" يفجر مفاجأة.. منظومات الطاقة والأثاث بأيدي "آل الكبسي"
على الجانب الآخر من المشهد، فجّر الناشط والباحث الاستقصائي وائل البدري قنبلة معلوماتية مدعمة بالوثائق، تكشف حجم التغلغل والاختراق الحوثي للمشاريع الأممية المخصصة للمحافظات الجنوبية والمناطق المحررة.
وأثبت البدري بالوثائق أن سيدة الأعمال والقيادية الحوثية البارزة المقيمة في صنعاء، فاطمة الكبسي، حصدت عقوداً ومناقصات أممية ضخمة وبملايين الدولارات لتوريد أثاث ومنظومات طاقة شمسية إلى مناطق خاضعة للشرعية، وسط إقصاء متعمد للموردين المحليين والتجار في عدن والمحافظات الجنوبية.
الجريمة الاقتصادية: تمويل بنوك صنعاء وتدمير أسواق عدن
أجمع خبراء اقتصاد ومراقبون على أن تمرير هذه التعاقدات يمثل جريمة مكتملة الأركان بحق الاقتصاد الوطني في المناطق المحررة، مستندين إلى الحقائق التالية:
1. انتهاك "حساسية النزاع": تصر وكالات الأمم المتحدة على التعامل بمعيار "وحدة الدولة" المشوه، متجاهلة الانقسام المصرفي والمؤسسي. هذا الإصرار يوجه تدفقات العملة الصعبة مباشرة إلى البنوك الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء لدعم مخزونهم النقدي.
2. كلفة مضاعفة لتمويل الجمارك الحوثية: شراء السلع من صنعاء ونقلها عبر خطوط التماس يفرض عليها عمليات جمركة وجبايات متكررة من قِبل الحوثيين، مما يعني أن المنظمات الأممية تمول بشكل غير مباشر المجهود الحربي للحوثيين، في حين أن الأسواق المحلية في عدن تمتلك نفس البضائع بكفاءة أعلى وكلفة أقل.
3. غياب المعاملة بالمثل: تحدى ناشطون يمنيون الهيئات الأممية بأن تظهر عقدًا أو مناقصة واحدة مُنحت لتاجر أو شركة من عدن أو حضرموت لتنفيذ مشروع داخل مناطق سيطرة الحوثيين؛ حيث تفرض المليشيا قيوداً بوليسية صارمة تمنع أي تعامل مع مناطق الشرعية، بينما تترك وزارة التخطيط في عدن الحبل على الغارب لموردي صنعاء.
شلل وزارة التخطيط وإغلاق "خاصية التعليقات"
يحمّل الشارع اليمني وزارة التخطيط والتعاون الدولي المسؤولية الكاملة عن هذا التواطؤ؛ إذ اقتصر دور الوزارة على اللقاءات البروتوكولية الجوفاء والتقاط الصور التذكارية، واكتفت بدور المتفرج أمام عبث المنظمات الدولية بإرث الاختلالات المتراكم من الإدارات السابقة.
وفي خطوة رآها مراقبون إقراراً بالفشل ومحاولة للهروب من الغضب العام، أقدمت الوزيرة أفراح الزوبة على إغلاق خاصية التعليقات على كافة حساباتها الرسمية في منصات التواصل الاجتماعي؛ في مسعى لحجب سيل الانتقادات والمطالبات الشعبية التي تلاحقها.
خلاصة الموقف:
بينما ينام نازحو اليمن في المقابر ويعجز المواطن في عدن عن سداد إيجار مسكنه، تُنفق وزيرة التخطيط آلاف الدولارات شهرياً على مكاتب فارهة مصغرة، وتغلق عينيها عن عقود أممية تذهب لجيوب قيادات حوثية في صنعاء. إن هذا الملف يضع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة أمام اختبار أخلاقي وقانوني مصيري: إما محاسبة الفساد وإعادة هيكلة وزارة التخطيط، أو القبول بصفة الشريك في تمويل المليشيا التي تحاربهم من أموال الشعب المسحوق.