حذر محللون سياسيون من أن أخطر ما يواجه اليمن اليوم لا يتمثل فقط في تعثر استعادة الدولة من عصابة الحوثي التي انقلبت عليها بقوة السلاح، بل في ترسخ واقع الانهيار كحالة طبيعية في وعي الأجيال الجديدة، بما يهدد بتآكل فكرة الدولة ذاتها وتحويل غيابها إلى أمر مألوف ومقبول مع مرور الوقت.
وأشاروا إلى أن استمرار حالة الجمود السياسي والعسكري، وتراجع الجهود الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، من قبل التحالف والحكومة اليمنية يفتح المجال أمام عصابة الحوثي لتكريس مشروعها الفكري والطائفي في مناطق سيطرتها، من خلال تنظيم الفعاليات والاحتفالات ذات الطابع السلالي والخرافي، وتوظيفها كأدوات للتعبئة الأيديولوجية وإعادة تشكيل وعي المجتمع، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية متدهورة يعيشها ملايين اليمنيين.
وأكدوا أن ما تمارسه عصابة الحوثي من تكثيف للأنشطة الطائفية والدعائية لا يمثل مجرد ممارسات ثقافية أو دينية، بل يندرج ضمن مشروع يستهدف إعادة صياغة الهوية الوطنية وإضعاف مفهوم المواطنة المتساوية، مستغلًا غياب مؤسسات الدولة وانشغال الحكومة بأزمات داخلية، الأمر الذي يفاقم معاناة السكان ويعمق عزلة الإنسان اليمني في مناطق سيطرة الحوثي.
وأضافوا أن استعادة المدن والمناطق لا تكفي وحدها لإنهاء الأزمة، فالتحدي الحقيقي أصبح يتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد حضارية وثقافية ونفسية، تتعلق بإعادة بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها وإحياء قيم المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
لافتين الى أن الدولة ليست مجرد مبانٍ ومقار حكومية، وإنما منظومة جامعة توفر الأمل بالمستقبل وتحفظ كرامة المواطنين وحقوقهم.
ولفتوا إلى أن استمرار تآكل هذه الثقة يهدد بإنتاج أجيال تنشأ بعيدًا عن مفهوم الدولة الحديثة، ما يجعل عملية التعافي الوطني أكثر تعقيدًا من مجرد التوصل إلى تسويات سياسية أو اتفاقات مؤقتة.
وجددوا التأكيد على أن معركة اليمن الحقيقية هي معركة استعادة معنى الدولة في وجدان المجتمع، لأن الجوع والفقر لا يهزمان الإنسان فحسب، بل يقوضان أيضًا فكرة المواطنة عندما يتحول المواطن إلى مجرد باحث عن البقاء في ظل غياب الأمل والمستقبل.
ومنذ انقلابها على الدولة عام 2014 تعمل عصابة الحوثي جاهدة على تكريس مشروعها السلالي والطائفي عبر إعادة توجيه المناهج الدراسية وتنظيم أنشطة ثقافية وتعليمية ذات طابع تعبوي، تهدف إلى تعزيز الولاء لها وتثبيت رؤيتها العقائدية والسياسية.
كما تمارس تأثيرا كبيرا في الأطفال والنشئ من خلال مخيمات صيفية وبرامج توعوية وخطابات أيديولوجية، في محاولة منها لإعادة تشكيل وعي الأجيال بما يخدم مشروعها ويحد من التنوع الفكري في المجتمع.