تحقيق استقصائي :
لم تعد أزمة استخراج جواز السفر في اليمن مجرد قصور إداري عابر، أو تذبذب مرتبط بشح الإمكانات وتأخر توريد دفاتر الطباعة؛ بل تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى واحدة من أضخم ملفات الفساد المؤسسي التي تُدمي قلوب اليمنيين. لقد تحولت وثيقة السفر السيادية إلى سلعة تجارية معروضة لمن يدفع أكثر تحت الطاولة، متنكرةً للحقوق القانونية والإنسانية للمواطنين.
وفي الوقت الذي تباهى فيه فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية بمديرية خور مكسر في العاصمة المؤقتة عدن بتسجيل "صفر معاملات متراكمة"، تتصاعد في المقابل موجة غضب شعبي عارم ضد فروع أخرى، وفي مقدمتها فرع مدينة تعز. حيث تُوجّه اتهامات صريحة لمراكز نفوذ بتحويل معاناة المواطنين المكدسة منذ أشهر إلى "سوق سوداء" تدر ملايين الريالات، وتُدار عبر شبكة عنكبوتية من السماسرة والوسطاء المرتبطين بعمق الهيكل الإداري للمصلحة.
بوابة الابتزاز الرقمي: كيف تحول نظام "الإسكانر" إلى مغارة للتربح؟
في الأصل، استُحدثت خدمة استخراج الجواز عن بُعد عبر نظام "الإسكانر" (Scanner) كبوابة استثنائية لإنقاذ الحالات الإنسانية الحرجة وتسهيل معاملات المغتربين الذين تحول ظروفهم دون الحضور الشخصي. غير أن هذا المسار الإلكتروني جرى تفريغه من محتواه الإنساني ليتحول إلى الدجاجة التي تبيض ذهباً لشبكات الفساد.
ويكشف المواطن سليم عبدالله عن هذه الآلية بمرارة قائلاً
"لم يعد مسار (الإسكانر) مخصصاً للمرضى أو الحالات الطارئة، بل أصبح المسار الإجباري الأسرع للأثرياء، بينما تُركت ملفات المواطنين العاديين لتلتهمها الأتربة فوق الرفوف. لقد وصلت كلفة استخراج الجواز الواحد عبر هذا النظام في فترات سابقة إلى 3000 ريال سعودي، تُدفع نقداً لوسطاء يعملون بتنسيق كامل مع موظفين نافذين داخل المصلحة".
تحقيق ميداني: "ادفع بالريال السعودي.. أو انتظر خمسة أشهر"
لم يكن نشاط شبكات السمسرة داخل مبنى جوازات تعز ومحيطه ضرباً من الخيال، بل هو واقع علني مرصود. وفي محاولة لتوثيق الجريمة عن قرب، زار موفد موقع "الساحل الغربي" مبنى المصلحة بتعز تحت غطاء تجديد جوازه الشخصي.
وعقب سداد الرسوم الرسمية قانونياً واستلام إشعار المعاملة، اعترض طريقه سمساران يتحركان بحرية تامة داخل أروقة المبنى الحكومي، وعرضا عليه استخراج الجواز عبر مسار "المستعجل" مقابل مبالغ مالية بالعملة الصعبة.
الحوار الفاضح: بلهجة واثقة لا تخشى القانون، خاطب السمسار "م. س" موفد الموقع قائلاً: "تريد جوازك مطبوعاً خلال أسبوع واحد؟ ادفع 500 ريال سعودي فوراً وسيكون بين يديك". وعندما أبدى الموفد رفضه القاطع للرشوة، رد السمسار بسخرية لاذعة: "إذاً انتظر خمسة أشهر.. أنت الخسران الوحيد هنا!".
وتثبت هذه الحادثة أن السماسرة ليسوا مجرد طفيليات تقف خارج الأسوار، بل هم امتداد لمنظومة موازية تتحكم في أولوية مطابع الدولة، وتصنع الأزمة والازدحام عمداً لإجبار المواطن المطحون على الانصياع لخيار الدفع.
بالأرقام والشهادات: الموت يسبق دفتر الجواز
ضجت منصات التواصل الاجتماعي بشهادات حية وموثقة لمواطنين بقيت معاملاتهم رهينة أدراج فرع تعز منذ عام 2025، ما أسفر عن كوارث إنسانية دفع ثمنها الأبرياء:
• وفاة قبل السفر: يروي مواطن فاجعة وفاة عمته التي استكملت كافة إجراءاتها الرسمية في أكتوبر 2025 بغرض السفر لأداء مناسك العمرة، وظلت تنتظر طبع وثيقتها لأشهر حتى تدهورت حالتها الصحية وفارقت الحياة وهي تلتحف الأمل باستلام جوازها.
• سرطان الرئة والانتظار القاتل: قصة أخرى رُصدت لوالد أحد المواطنين المصاب بسرطان الرئة؛ حيث استُخرجت له معاملة "مستعجل" لنقله للعلاج في المستشفيات المصرية، لكن المعاملة ظلت مجمدة عمداً حتى توفي المريض في يناير 2026 دون أن يرى جوازه النور.
• ابتزاز الأخطاء الإدارية: أكد مواطن آخر أنه اضطر لدفع 200 ريال سعودي لسمسار لإخراج جواز ابنته المعلق منذ أشهر، ثم صُدم بإلزام الموظفين له بدفع 500 ريال سعودي إضافية لمجرد تصحيح خطأ إملائي ارتكبه الموظف نفسه أثناء إدخال الاسم باللغة الإنجليزية!
هندسة الفساد: تسليع الوظيفة السيادية لتضخيم الثروات
علق مراقبون وحقوقيون على هذا المشهد الإجرامي بالتأكيد على أن القضية تجاوزت حدود الرشوة التقليدية لتصل إلى مرتبة "الاتجار بوثيقة سيادية للدولة" واستغلال حاجة الشعب للسفر في ظل الحرب كدجاجة تدر أرباحاً فلكية لصالح حسابات بنكية خاصة.
وفي السياق، كشف الإعلامي أحمد باشا عن حجم الكارثة بفرع تعز، مؤكداً أن تراكم آلاف الجوازات نتج عن "التوسع العشوائي في طباعة معاملات المستعجل التابعة للسماسرة دون سقف مالي أو إداري"، ما تسبب في شلل تام لطباعة المعاملات العادية.
هذا الانفلات دفع الإدارة الجديدة للمصلحة لاحقاً إلى إصدار قرار طوارئ يقيد طباعة الجوازات المستعجلة في فرع تعز بـ 100 جواز يومياً فقط، في محاولة لكبح جماح التغول التجاري على حساب الحق العام للمواطنين المنتظرين في الطوابير منذ عام مضى.
تآكل الثقة: مطالب شعبية برأس الأفعى
لم تعد أزمة الجوازات مجرد طابور طويل، بل تحولت إلى معول يهدم ما تبقى من ثقة ضئيلة بين المواطن اليمني ومؤسسات الشرعية؛ إذ تحول الحق القانوني الكفيل لكل مواطن إلى "امتياز طبقي" حكر على أصحاب النفوذ والمال.
وأمام هذا التدهور الأخلاقي والإداري، تصاعدت المطالب الشعبية والحقوقية الموجهة إلى مجلس القيادة الرئاسي ورئاسة الوزراء بضرورة التدخل الحاسم عبر:
1. فتح تحقيق قضائي مستقل وشامل يتتبع شبكات السمسرة والجبايات غير القانونية داخل قطاع الجوازات بتعز.
2. مراجعة الأصول المالية وتتبع الثروات المتضخمة لبعض القيادات والموظفين المرتبطين بهذا الملف.
3. أتمتة منظومة الحجز والطباعة بالكامل لمنع التدخل البشري وإلغاء التعامل النقدي المباشر خارج القنوات البنكية الرسمية.
إن بقاء أزمة الجوازات معلقة دون محاسبة يثبت للقاصي والداني أن هناك قوى خفية ومراكز نفوذ داخل مؤسسات الدولة تستعذب إدامة الأزمة، وتتربح من الوجع اليمني، وتحول وثائق السيادة الوطنية إلى صكوك للإثراء غير المشروع.