المدن في وجدان البشر لا تتشكل بمبانيها وشوارعها فحسب، وإنما بقدرتها الروحية على استيعاب الغرباء القادمين إليها للعمل والعيش فيها، وتحويلهم إلى نبضات حية في روحها.
إن علاقة الإنسان بالمدينة ـ أي مدينة ـ هي علاقة عشق تبادلية؛ فإما أن تمنحك المدينة هويتها، وتفتح لك أبواب سمائها بمجرد أن تطأ قدمك أرضها، وإما أن تظل واقفًا على أسوارها غريبًا طريدًا، حتى وإن أفنيت فيها عمرك وعمر آبائك وأجدادك.
هذه المفارقة الوجدانية تتجسد بأبهى وأقسى صورها عندما نلتفت صوب مدينتين يمنيتين عريقتين: عدن، مدينة النور والتعايش، وصنعاء، مدينة المجهول والاغتراب، المدينة الحبيسة بقيود الطائفية وأتون العرقية.
ثمة مدن، ما إن تشرب من مائها العذب، وتسكن حواريها العتيقة، وتتنفس هواءها الممتزج بملح البحر، حتى تجد روحك تذوب في ثقافتها ذوبانًا كاملًا كقطعة السكر.
عدن هي النموذج التام لهذه الفكرة الساحرة، حيث تشرع الهوية فيها أفقًا مرنًا يُكتسب بالمعايشة والاندماج اليومي البسيط.
لطالما كانت هذه المدينة محضنًا كبيرًا وملجأً دافئًا لكل من قصدها باحثًا عن الأمان أو الحب أو الحرية.
في عدن لا تُسأل أبدًا عن أصلك أو قبيلتك، بل تُقاس إنسانيتك بقدرتك على العطاء والتعايش وصناعة الفرح.
حواري كريتر، والشيخ عثمان، والتواهي، والمعلا وغيرها، لم تكن يومًا حكرًا على عرق أو طائفة، بل كانت مزيجًا فريدًا التقت فيه الثقافات العربية والهندية والأفريقية، لتصهرها جميعًا في بوتقة واحدة اسمها "الهوية العدنية".
إنها مدينة ذات محرك ثقافي مدني وتجاري بطبعه، منفتح على العالم وعلى الآخر دون خوف أو توجس.
في عدن يملك الغريب حق الانتماء الفوري.
بمجرد أن تتمكن من لهجتها الممزوجة بلهجات مصر والشام وتعز ولحج وغيرها من اللهجات التي زارت عدن، وبمجرد أن تأكل من زادها، يصبح بإمكانك أن تقول بصوت واثق ومسموع:
"أنا من عدن".
تقول ذلك، ولن يجرؤ أحد على التشكيك في مواطنتك أو تمزيق انتمائك.
وعلى الرغم من كل المنعطفات التاريخية والعواصف السياسية والموجات المناطقية الطارئة التي حاولت تشويه وجه المدينة الغراء، لا سيما في السنوات الأخيرة، إلا أن عدن أثبتت أصالة معدنها العصي على الانكسار والتشوه.
لم تهزمها المناطقية الضيقة؛ لأن جينات المدينة قائمة على التعددية وقبول الآخر، ولأن البحر الذي يحدها من شواطئها يرفض الركود، ويجدد دماءها باستمرار، ملقيًا بكل شوائب العنصرية والمناطقية بعيدًا عن شواطئه النظيفة.
على الطرف الآخر، أضحت صنعاء ـ خاصة منذ سيطرت عليها السلالية الإمامية ـ نموذجًا مؤلمًا للمدينة المغلقة.
المدينة التي تملك حواجز غير مرئية تفصل بين سكانها، وتعيد تصنيفهم على أساس العرق والنسب والقبيلة.
صنعاء الحالية، المحاصرة بأيديولوجيا التفوق العرقي والطائفي، تغدو وتمسي فيها هوية اليمني قالبًا جامدًا ومغلقًا يُحدد بالولادة والنسب والطبقة الاجتماعية دون سواها.
في صنعاء اليوم لا يشفع لك تاريخك، ولا ينفعك انتماؤك السكني، ولو كنت من الجيل الثالث الذي وُلد وترعرع في حاراتها القديمة وأكل من عنب روضتها.
إن موقفها من الغريب أضحى موقفًا موجعًا؛ تنبذه وتقصيه، وتذكره دائمًا بجذوره الخارجية مهما طال مكثه، ومهما ذابت روحه في تفاصيلها.
لقد تحولت صنعاء، بفعل سلطة الأمر الواقع والأفكار الدخيلة المرتكزة على التمييز السلالي، إلى بيئة طاردة تضيق بمحركها الثقافي الطائفي والسلالي، المحكوم بداء القبيلة والفرز الطبقي البائس.
ويكفي، مؤخرًا، ما تناولته الصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي من قصة الشاب عابد المصرف، بوصفها دليلًا على هذا الفرز الطبقي المقيت؛ إذ عاد من الغربة خارج اليمن وتزوج فتاة يحبها، فإذا بأسرته وكبار رجال قبيلته يهاجمون منزله ويعتقلونه وزوجته، ويصادرون ممتلكاته ومقتنياته الثمينة، بحجة رفضه تطليق الفتاة التي تزوجها.
في هذه البيئة تطل العنصرية والتمييز الفئوي والأسري برؤوسها، لتعيد ترتيب المجتمع وفق طبقات هرمية صارمة تلغي إنسانية الفرد وتصادر حريته.
هذا الانغلاق الروحي أعاد صنعاء من عاصمة كانت على وشك أن تكون دافئة لجميع اليمنيين إلى معقل لفكر إقصائي يعمق الشروخ الاجتماعية، ويجعل حتى ابن المدينة من الجيل الثالث يشعر بأنه ليس إلا عابر سبيل أو مواطنًا من الدرجة الثانية، خاصة إذا لم يسند ظهره إلى عصبية قبلية أو سلالية تمنحه وثيقة الغفران الاجتماعية.
ختامًا... تبقى المدن التي تقوم على إقصاء الإنسان وتصنيفه مدنًا مأزومة.. مدنًا تعيش حالة من الاختناق الداخلي والرماد الروحي، مهما بدا عليها من مظاهر القوة الزائفة.
إن صنعاء المحاصرة بالتفوق العرقي تعيش اليوم عزلة روحية واجتماعية تفصلها عن نبض الحياة الحقيقي؛ لأن داء العنصرية يأكل المجتمعات كما تأكل النار الحطب.
أما عدن... نعم، عدن، فرغم جراحها المثخنة، ورغم كل محاولات فرض الأجندات المناطقية الصغيرة عليها، ستظل المنارة والأنشودة تحت سماء هذا البلد.
إن روح المدينة الحرة القائمة على قبول الآخر هي الضمانة الوحيدة لخلود أثرها.
إن المدن الحقيقية ليست جدرانًا من أحجار صامتة، بل هي أحضان تتسع لكل من يرتمي إليها.
وفي عدن تاريخ يشهد بأن من شرب من مائها، وتنسم نسيم البريقة وساحل أبين وجولد مور، أصبح جزءًا من كيان أهلها، وإنسانًا من ناسها.