يعيش اليمن فصلاً جديداً من المخاض الشعبي الذي يتجاوز الحدود الشطرية التقليدية، ليعبر عن حالة من الإحباط الجماعي والإنهاك الوجودي الذي طال الملايين من أبنائه شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وتأتي هذه التحركات الشعبية العفوية والنقاشات الممتدة من المقاهي والمجالس والشوارع إلى منصات التواصل الاجتماعي لتعكس صرخة غضب عارمة ضد تدهور المنظومة الحياتية برمتها. وفي غمرة هذه المعاناة، يبرز تحول لافت في الوعي الجمعي اليمني، حيث يتجه الشارع بمختلف توجهاته نحو استدعاء الماضي القريب، مستذكراً زمن الزعيم الرئيس علي عبدالله صالح ونظامه السياسي، ليس فقط كمرحلة زمنية مضت، بل كرمزية للدولة المفقودة بمؤسساتها، وأمنها، واستقرارها المعيشي، والخدمات الأساسية التي باتت اليوم ترفاً بعيد المنال في ظل سلطات الأمر الواقع المتعددة، وخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي التي يواجه فيها المواطنون أعتى صور التضييق والانتهاكات والفقر الممنهج.
حنين إلى الدولة والسيادة والأمان
يعبر الشارع اليمني اليوم عن ندم دفين ومرارة بالغة جراء الانزلاق الذي أعقب أحداث العام 2011م وما تلاها من صراعات قادت البلاد إلى حافة التمزق والانهيار الكامل، ويتحدث اليمنيون بكثير من الشجن عن الأمان الذي كان يظلل تفاصيل حياتهم اليومية، حيث كان المواطن قادراً على التنقل بين المحافظات بحرية تامة ودون خوف من الاعتقال على الهوية أو الابتزاز في نقاط التفتيش المنتشرة حالياً بكثافة.
كما أن غياب الجريمة المنظمة وقدرة أجهزة الأمن السابقة على فرض هيبة القانون، أصبحت اليوم مطمعاً لبيئة يعصف بها الانفلات الأمني والقتل العشوائي وتنامي العصابات المسلحة، ويرى الكثير من المراقبين أن الحنين الشعبي لإرث صالح الوطني والوحدوي ينبع من المقارنة المباشرة بين دولة كانت تستوعب الجميع بمختلف مشاربهم القبلية والحزبية، وبين سلطات ثيوقراطية أو مناطقية ضيقة تمارس الإقصاء الممنهج وتتعامل مع الدولة كغنيمة حرب وليس كمسؤولية تجاه المواطنين.
مرتبات مقطوعة وسياسات جبائية خانقة
تمثل أزمة انقطاع المرتبات، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي، المحرك الرئيس لحالة الغليان الشعبي والانتفاضة الصامتة والعلنية التي تشهدها البلاد، فمنذ سنوات طويلة يعيش مئات الآلاف من موظفي الجهاز الإداري للدولة دون مصدر دخل ثابت، في وقت تصر فيه الميليشيا على فرض سياسة التجويع وربط الملف الإنساني بالحسابات السياسية والعسكرية، ومع دخول عام 2026، يواجه الموظفون هناك إجراءات تزداد تعسفاً، من بينها حرمان المعلمين من المستحقات البسيطة تحت مبررات الإجازات الرسمية، والامتناع عن صرف حتى النصف راتب الذي كان يصرف على فترات متباعدة، ويتزامن هذا التجويع مع طفرة مخيفة في أسعار السلع الغذائية والخدمات، ناتجة عن الجبايات والضرائب الباهظة والاتاوات التي تفرضها المليشيا على التجار والشركات، مما دفع بالمواطن البسيط إلى حافة المجاعة الحقيقية، الأمر الذي جعل عهد النظام السابق، الذي كان يضمن انتظام الرواتب واستقرار العملة الوطنية وتوفر السلع بأسعار مناسبة، جداً يبدو كعصر ذهبي يستحق الانتفاض من أجل استعادته.
انهيار الخدمات العامة
يتجرع أبناء اليمن مرارة غياب أبسط مقومات العيش الكريم المتمثلة في الخدمات الأساسية التي تضررت بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البلاد الحديث، ففي المحافظات الجنوبية، يكتوي المواطنون بنيران الصيف اللاهب وسط انقطاع شبه كلي للتيار الكهربائي يصل إلى ساعات طويلة جداً، مما أدى إلى شلل تام في الحركة التجارية وتفاقم الحالات المرضية بين الأطفال وكبار السن.. أما في مناطق سيطرة الحوثيين، فقد تحولت الخدمات العامة إلى قطاع استثماري خاص تديره قيادات الميليشيا لصالحها، حيث تباع الكهرباء والمياه بأسعار خيالية للمواطنين عبر محطات تجارية تابعة للمتنفذين الحوثيين السلاليين، في حين تلاشت المستشفيات الحكومية المجانية وحلت محلها مراكز صحية استثمارية لا يقدر على تكاليفها المواطن المطحون، هذا التباين الصارخ بين ما كانت توفره الدولة من بنية تحتية ومشاريع تنموية في عهد الرئيس صالح، وما آلت إليه الأوضاع من دمار وخصخصة ونهب للمؤسسات، يمثل الدافع الأساسي لانتفاضة الوعي اليمني الحالية التي تطالب برحيل الميليشيات وعودة رجال الدولة الأكفاء.
تنامي معدلات الجريمة وتآكل منظومة العدالة والقضاء
تشهد الساحة اليمنية في الآونة الأخيرة قفزة قياسية في معدلات الجريمة الجنائية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، في ظل غياب شبه تام لمنظومة العدالة والقضاء المستقل، وقد تحولت المحاكم في مناطق سيطرة الحوثيين إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية، ومصادرة أملاك المعارضين، وتشريع الانتهاكات ضد المدنيين والناشطين، كما غابت سلطة القانون لفائدة الأحكام العرفية السلالية والمشرفين الأمنيين الذين يمتلكون سلطات مطلقة فوق القانون والدستور، ويشكو المواطنون من انتشار جرائم القتل العائلي، والسرقة بالإكراه، والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة دون وجود رادع أمني حقيقي..
ويعيد هذا الوضع المأساوي إلى الأذهان إرث القضاء والمؤسسات القانونية في عهد الدولة السابقة، التي كانت توفر سياجاً يحمي الحرمات ويضمن الحق من العدالة والإنصاف مقارنة بالوضع الحالي الذي سادت فيه شريعة الغاب وغاب فيه الأمان الشخصي والاجتماعي.
لماذا ينتفض الوعي اليمني هذه الأيام بالذات؟
إن الانتفاضة الشعبية المستمرة في اليمن اليوم ليست مجرد نتاج لحظي، بل هي تراكم لسنوات من القهر، والحرمان، والتنكيل، والنهب المنظم لقوت الشعب، ولقد أدرك اليمني في الشمال والجنوب أن الشعارات البراقة التي رفعتها جماعات العنف والمليشيات المسلحة لم تجلب له سوى الموت والخراب والتشرد، وجوع العائلات.. وعندما يقارن المواطن وضعه الحالي، وهو يبحث عن شربة ماء نظيفة أو أسطوانة غاز منزلي أو يعجز عن توفير قيمة كيس من القمح، بوضعه قبل عقد ونصف من الزمن، فإنه يجد نفسه مدفوعاً بوعي وتجربة مريرة للاعتراف بأن النظام الجمهوري ورجال الدولة في عهد صالح كانوا صمام الأمان الحقيقي لوحدة البلاد وتنميتها، واستقرارها.
إن انتفاضة الوعي الشعبي عبر منصات التواصل وفي كل مكان، وملامح تتنبأ خلال الفترة المقبلة بخروج الناس إلى الشوارع، وتحديهم لآلة القمع والاعتقالات، والاحتفاء بالرموز الوطنية والجمهورية في المناسبات التاريخية، هو تعبير صارخ عن رغبة عارمة في كسر القيود، والمطالبة برحيل سلطات الجوع والفساد، والبحث عن طريق لبعث الدولة اليمنية ومؤسساتها الوطنية من جديد لتستعيد دورها في حماية الإنسان وصون كرامته وحقوقه المشروعة في العيش الكريم والأمن المستدام.