عشية الهجوم الإيراني على إسرائيل، سارع وزير الخارجية عباس عراقجي إلى الاتصال بنظيريه السعودي والمصري للتباحث حول التطورات الإقليمية. والرابط المشترك بين بن فرحان وعبد العاطي هو تضرر بلديهما المباشر من أي تصعيد محتمل في البحر الأحمر.
ويمكن قراءة هذه الاتصالات كمحاولة إيرانية لطمأنة الرياض والقاهرة بأن إغلاق باب المندب، والذي تكرر على لسان ولايتي وقاآني، ما زال في طور التهديد السياسي، وأن تفعيل الجبهة اليمنية سيبقى محسوبًا، ويأخذ في الاعتبار مصالح الدولتين؛ ولعل هذا ما يفسر ضبط النفس السعودي تجاه الصاروخ الحوثي الذي سقط داخل حدودها.
وبخلاف سياستها خلال الحرب، لم تواصل إيران ادخار الجبهة اليمنية، بل حرصت على دمجها مبكرًا في هجومها الأخير ضد إسرائيل. وقد منح هذا القرار مرونة استراتيجية أكبر لطهران من أجل التعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة.
تكتيكيًا، للجبهة اليمنية أهمية كبيرة في إغراق الدفاعات الإسرائيلية وتشتيت الجهد الهجومي المعادي. أما استراتيجيًا، فإن إيران تحتاج إلى إثبات مصداقية تهديداتها بخصوص إغلاق باب المندب، لثني واشنطن عن الانخراط في أي رد انتقامي واسع.
وفي حال وقف التصعيد وتحريك المسار الدبلوماسي مع ترامب، ستحاول طهران تحسين موقعها التفاوضي عبر تنشيط الجبهة اليمنية، كما سبق أن حصل في تصعيد الحوثيين في أبريل الماضي، عند أول جولة تفاوض بين طهران وواشنطن.
في جميع الأحوال، يؤكد تحرك طهران العملياتي، وتصريحات قياداتها السياسية والعسكرية، ارتقاء مكانة الورقة اليمنية في مقاربة الأمن القومي الإيراني، باعتبارها أهم بوليصة تأمين جيوسياسي.
وهذا يجعل الحوثيين أكثر ارتباطًا بأجندة إيران وسياستها الإقليمية، لكنه يمنحهم في المقابل مكانة استثنائية في تراتبية محور الممانعة، ودورًا قياديًا شبيها بالدور الذي كان يلعبه حزب الله.
وكما يشير عدنان الجبرني، يجد الحوثيون انفسهم اليوم اقرب الى ايران اكثر من اي وقت مضى في ظل المقاربة الاكثر تشددا للمرشد الجديد.
لذا، من غير المستبعد أن يواصل الحوثيون هجماتهم ضد العمق الإسرائيلي، أو حتى ضد الأصول العسكرية الأمريكية، بما يتناغم مع إيقاع التصعيد الإيراني في المنطقة، وبما لا يتجاوز عتبة التصعيد الرمزي.
وفي الوقت نفسه، تظهر المعلومات الميدانية أن الجماعة ترفع جاهزيتها لاستهداف الملاحة الدولية؛ وعلى الأغلب سيكون قرار التصعيد البحري مرهونًا بتعرض إيران لهجوم واسع من واشنطن وتل أبيب، أو تعرض حزب الله لعملية عسكرية تهدد تماسكه وتضغط نحو نزع سلاحه.
ومثلما أعادت إيران اكتشاف القيمة الجيوستراتيجية لهرمز خلال فترة الحرب، فإنها تنوي إعادة اكتشاف باب المندب وتوظيفه لإدارة مرحلة “البرزخ الإقليمي”، تلك المرحلة الوسيطة ما بعد الحرب وما قبل الصفقة.