رحل صاحب الأداء الرصين الذي لم يكتف بكونه ممثلا بارعا، بل كان عازفا مرهف الحس ومثقفا استثنائيا، ليطوي برحيله فصلا من العطاء الفني المتجدد، تاركا خلفه فراغا كبيرا في قلوب محبيه وزملائه الذين طالما رأوا فيه رمزا للالتزام والرقي الفني.
يعرف عبد العزيز مخيون في الأوساط الفنية بـ فيلسوف التمثيل وصاحب الأداء العميق، لكن خلف هذا القناع الدرامي يكمن وجه آخر تماما؛ وجه موسيقي مرهف، وقصة عشق طويلة مع آلة الكمان بدأت قبل أن تطأ قدماه معاهد التمثيل أو يواجه كاميرات السينما. إن هذا الجانب الموسيقي ليس مجرد هواية جانبية، بل هو الأساس الذي شيدت عليه شخصيته الفنية المنضبطة، حيث كان الكمان هو رفيقه الأول في رحلة البحث عن الجمال والإيقاع.
قبل أن يمتلئ سجل مخيون بالأدوار الدرامية المركبة، كانت أصابعه تعزف ألحان التميز على أوتار الكمان في مسقط رأسه بمحافظة البحيرة. لم يكن تعلمه للموسيقى عشوائيا، بل كان نتاج شغف حقيقي بالأنغام الشرقية والكلاسيكية. كان يرى في آلة الكمان وسيلة للتعبير عن مكنونات نفسه التي لم تكن الكلمات تكفي لتجسيدها في سنواته الأولى. تلك الفترة التكوينية التي قضاها مع الآلة منحته أذنا موسيقية دقيقة، جعلته فيما بعد يمتلك إيقاعا خاصا في إلقاء الحوار وتجسيد انفعالات الشخصيات؛ فالممثل الذي يعزف الموسيقى يتعامل مع النص وكأنه نوتة يجب قراءتها بإحساس وتركيز عال.
إن المتأمل في مسيرة مخيون يجد تقاربا مذهلا بين عزفه للموسيقى وأدائه للتمثيل؛ كلاهما يعتمد على الدقة والالتزام. الموسيقى علمت مخيون الانضباط، والقدرة على التحكم في التيمبو أو سرعة الأداء، وهو ما يظهر جليا في قدرته على التحكم في نبرات صوته وتدرج انفعالاته. عندما يعزف مخيون على الكمان، فإنه يعيش حالة من التركيز المطلق التي لا تقبل الخطأ، وهذا النوع من الانضباط هو ما نقله إلى استوديوهات التصوير. لم يكن الممثل يوما مجرد مؤد للنصوص، بل كان موسيقيا يحلل الإيقاع الدرامي لكل مشهد، مما يفسر سبب نجاحه في تقديم الشخصيات التي تتطلب عمقا نفسيا وثباتا انفعاليا.
لقد عاش مخيون حياته شاهدا على أن الفن عندما يتجذر في النفس منذ الصغر، يصقل الإنسان ويحميه من التبعثر. واليوم، وبينما نودعه، تبقى تلك الصورة الموسيقية التي رسمها في حياته هي الحقيقة الأجمل؛ فنان استطاع ببراعة أن يترجم آلامه وأفراحه إلى ألحان تارة، وإلى أدوار خالدة تارة أخرى. نودع اليوم العازف الذي لم ينهد عزفه، والمبدع الذي ظل قويا لا ينحني، تاركا إرثا يمزج بين رقة الأوتار وعمق الفكر، ليظل صدى موسيقاه وفنه يتردد في ذاكرتنا كأجمل رثاء لرحيل رجل استثنائي.