أخبار محلية

سد مأرب والأمن المائي… النضوب أو النهوض.

المنتصف نت- المنتصف نت 10/06/2026 15:02 279 مشاهدة
سد مأرب والأمن المائي… النضوب أو النهوض.

مأرب تواجه أزمة مائية غير مسبوقة ، حيث تعتمد الموارد المائية في محافظة مأرب بشكل رئيسي على مياه السيول و الأمطار التي تغذي المخزون المائي للمياه السطحية والجوفية بنسبة تتجاوز ‎%‎90 ، ومع ذلك تعاني  محافظة مأرب حالياً من شحة مائية غير مسبوقة في تاريخها وانخفاض في المخزون المائي إلى مستويات قياسية وكارثية.

هذا كان انعكاس للقرار غير المشروع  والعمل اللأخلاقي من قبل سلطة مأرب لأغلاق سد مأرب العظيم وقنوات الري التي صممت لري ما يقارب 137 كيلو بمنطقة الاشراف ووادي عبيدة ، والأصرار على اغلاق وقفل بوابة السد المستمر للعشر السنوات الأخيرة.

مما ساهم في خلق وضع كارثي أثر سلباً على المخزون المائي وقطع شريان الحياة الربانية من المياه والتحكم في مجرى تلك الهدية الربانية وتحويل سد مأرب التاريخيّ إلى اداة للصراع ، بدلاً عن كونه منشأة مائيه واخراج سد مأرب عن وظيفته الحيوية التي انشئ من اجلها لخدمة الإنسان والزراعة ، ونتيجة لهذا الإغلاق المستمر للسد تعاني مناطق اسفل وادي عبيدة والوسط من ندرة المياه وشبه جفاف ينذر بكوارث بيئية ومائية على السكان ومستقبل الزراعة.

أن قرار اغلاق سد مأرب منذ عام 2020 رغم قدوم سيول كبيرة على بحيرة السد مثّلت نقطة تحوّل بنيوية في محافظة مأرب، لم تقتصر آثارها على تشغيل منشأة مائية أو إدارة مورد تقني، بل أعادت تشكيل منظومة المياه والزراعة والسكان والاستقرار المجتمعي برمتها. فقد تحوّل إغلاق قنوات السد من إجراء احترازي مؤقت إلى نمط إدارة طويل الأمد، ترتّبت عليه سلسلة مترابطة من التداعيات الهيدرولوجية والاقتصادية والسكانية والثقافية، ما يجعل قضية سد مأرب اليوم إحدى أبرز قضايا السياسات العامة في السياق اليمني المعاصر.

على المستوى الهيدرولوجي، كشفت الأرقام والنتائج التي توصل لها مركز مداري للدراسات والابحاث بمأرب عبر خبراءه المتخصصين في هذا الشأن، أن إغلاق السد وقنوات الري المستمر وتبخر مياهه أدّى إلى توقف شبه كامل للتغذية الاصطناعية للحوض الجوفي، وانتقال النظام المائي من حالة شبه توازن إلى حالة استنزاف صافٍ مستمر.

وقد نتج عن ذلك تشكّل أحواض هبوط جوفي حادة في مدينة مأرب ووادي عبيدة التي تشكل في محيطها مخيمات النزوح، إلى جانب إعادة توجيه قسرية للتدفقات الجوفية من المناطق الزراعية التقليدية نحو مراكز الضخ الحضري المكثف، في ظاهرة التصريف المستحث.

وتؤكد هذه النتائج أن التدهور الجوفي في مأرب لم يكن حتمياً بسبب عوامل طبيعية أو مناخية، بل نتاجاً مباشراً لاختلال نمط إدارة المورد بعد إغلاق السد و القنوات للعشر السنوات الاخيرة.

أما على المستوى الزراعي، فقد أظهرت النتائج أن الزراعة المروية كانت أول القطاعات وأكثرها تضرراً من الإغلاق، نظرًا لاعتمادها البنيوي على الري السطحي المنتظم.

إذ أدّى التحول القسري نحو الضخ الجوفي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الري وتعميق الآبار، ما أفقد الزراعة جدواها الاقتصادية لشرائح واسعة من صغار ومتوسطي المزارعين. وتراجع إنتاج المحاصيل وجودتها، وتآكل رأس المال الريفي، وتحولت الزراعة من نشاط استقراري منخفض المخاطر إلى نشاط عالي المخاطر محفوف بعدم اليقين المائي والمالي.

ونتيجة لذلك، تفككت منظومة سبل العيش الريفية التي كانت تشكّل قاعدة الاستقرار الاجتماعي في مأرب ، وعلى المستوى السكاني، أسهمت هذه التحولات في تسريع الانتقال من نمط استيطان ريفي متوازن نسبيًا إلى نمط تركّز حضري غير منظم حول مدينة مأرب. وبرز نمط «النزوح الريفي الصامت» للسكان الأصليين، الذي يتم بصورة تدريجية وغير مرصودة إنسانيًا، لا نتيجة حدث نزاعي مباشر، بل بسبب فقدان شروط الاستمرار الزراعي.

وفي الوقت نفسه، أظهرت النتائج أن النازحين، رغم استفادتهم المرحلية من تركّز الضخ الجوفي في الحيز الحضري، باتوا جزءًا من نظام مائي شديد الهشاشة قائم على الاستنزاف، ما يجعلهم بدورهم عرضة لأزمة مائية مستقبلية ، كما تبيّن أن التوتر بين المجتمع المضيف والنازحين لم ينشأ عن النزوح بحد ذاته، بل عن اختلال إدارة الموارد وتقاسمها.

وعلى المستوى الثقافي والسياسي، فقد سد مأرب دوره الرمزي التاريخي نتيجة للسياسة الخاطئة وسوء الادارة بوصفه أداة تنمية جامعة وضامنًا للعدالة المائية والاستقرار الزراعي، وتحول في الوعي الجمعي إلى رمز للاختلال والحرمان. وأصبحت إدارة المياه ساحة مركزية لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة، حيث فاقم تسييس المورد المائي ضعف الثقة وأضعف فرص التعبئة الإيجابية حول مشاريع تنموية مشتركة، بناءً على ذلك، اتضح أن الأزمة المائية في مأرب ليست تقنية فقط، بل هي أزمة إدارة وشرعية وثقة.

تُظهر البيانات المكانية والهيدرولوجية المستقلة المستخلصة من تحليل سد مأرب والحوض الجوفي المرتبط به ،أن محافظة مأرب وخصوصاً المنطقة القريبه من سد مأرب ومناطق وادي عبيدة قد دخلت مرحلة استنزاف مائي بنيوي، تهدد استدامتها الزراعية والاجتماعية والأمنية، نتيجة استمرار إغلاق قنوات سد مأرب منذ عام 2020، وتزامن ذلك مع ضغط ديمغرافي غير مسبوق ناجم عن النزوح.

حيث تشير المؤشرات الفنية إلى أن الحوض الجوفي يعمل حاليًا في وضعية استنزاف صافٍ (Net Depletion) بمعدل سنوي يُقدَّر بـ 40–60 مليون متر مكعب، مع هبوط تراكمي في منسوب المياه وصل إلى 30–50 مترًا خلال عقد واحد، وتشكُّل أحواض هبوط جوفي عميقة أسفل منطقة مأرب ، كما نؤكد هنا أن فتح بوابة السد وحده – دون إصلاحات مؤسسية وهيدرولوجية مرافقة – لن يكون كافيًا، وأن نافذة التدخل المتاح لتفادي الانهيار الكامل لا تتجاوز 12–18 شهرًا.

أن محافظة مأرب تواجه مرحلة مفصلية وخطرة في ملف المياه والزراعة، وأن استمرار إغلاق قنوات السد دون إصلاحات مرافقة قد يقود – لا قدَّر الله – إلى انهيار بنيوي يصعب احتواؤه، بما ينعكس على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي وأمن الدولة ذاته ، وإذ نضع هذه النداء ودق ناقوس الخطر مما يحدث في هذا الجانب الهام بين أيديكم، فإننا نؤكد أن المقصود منها الدعم الموضوعي للقرار الوطني، وتقديم خيارات عملية قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن أي توظيف سياسي أو إعلامي.

إن أزمة المياه في مأرب ليست مجرد مشكلة موارد، بل هي قضية وجودية تمس الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمحافظة ، وإن الاستمرار في النهج الحالي يعني السير نحو الجفاف الحتمي وتداعياتهالكارثية، بينما يمثل التحول إلى الإدارة المستدامة للمياه فرصة حقيقيةللإنقاذ وتحقيق التنمية المستدامة.

مأرب اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما النضوب... أو النهوض.

لذا، يوصى بضرورة ربط كل دعم زراعي أو تمويلي بتبني تقنيات الري الحديثة، والالتزام بالخارطة المحصولية المستدامة فالمياه لم تعد مورداًمتجدداً كما كان يُعتقد، بل هي رأس مال حيوي يجب إدارته بحكمة وعلم لضمان مستقبل الأجيال القادمة.

واستنادًا إلى بيانات مركز مداري الفنية والخرائط التحليلية، فأن محافظة مأرب تواجه أزمة مائية بنيوية تجاوزت إطار الطوارئ البيئية لتتداخل بصورة مباشرة مع الاستقرار الاجتماعي، وسُبل العيش، والنزوح الداخلي، وهي عوامل أثبتت التجربة اليمنية ارتباطها الوثيق بديناميات الصراع والسلام .

كما تشير تلك نتائج التحليل إلى أن الاستنزاف المستمر للمياه الجوفية، وتحوّل استخدام المياه من الإنتاج الزراعي إلى الاستهلاك الحضري‑الإغاثي، يُنذر بتفاقم أشكال الهشاشة المحلية، وتصاعد النزاعات المجتمعية على الموارد، وتعميق التوترات في واحدة من أكثر المحافظات حساسية في المشهد اليمني.

*رئيس مركز مداري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية.