في الوقت الذي تواجه فيه إيران ضغوطًا متزايدة على أكثر من جبهة، تبدو التصريحات الصادرة عن كبار مسؤوليها خلال الأيام الأخيرة وكأنها محاولة لإعادة التذكير بأحد أهم الأدوات التخريبية التي بنتها طهران خارج حدودها خلال العقود الماضية، والمتمثلة في شبكة الأذرع الإقليمية التي تعول عليها للتأثير في الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.
فالتصريحات المنسوبة لقائد فيلق القدس إسماعيل قآني، وما سبقها من مواقف لمسؤولين إيرانيين بارزين بشأن مضيق باب المندب، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد رسائل دعائية أو خطابًا سياسيًا موجّهًا للاستهلاك الداخلي، بقدر ما تعكس، على الأرجح، رؤية إيرانية أوسع تقوم على إبقاء أوراق الضغط الإقليمية جاهزة للاستخدام متى ما اقتضت الحاجة.
اللافت في خطاب قآني أنه لم يكتف بالإشادة بالحوثيين، إنما تحدث عن ما وصفه بـ"حزام أمني جديد للمقاومة" يمتد بين هرمز وباب المندب، وهذا الربط بين المضيقين يكشف جانبًا من التفكير الاستراتيجي الإيراني القائم على النظر إلى الممرات البحرية باعتبارها أدوات نفوذ جيوسياسي وليست مجرد ممرات للتجارة العالمية، فمن خلال هرمز لجأت إيران الى التأثير في تدفقات الطاقة العالمية، بينما يوفر باب المندب عبر الحوثيين نقطة ضغط أخرى على حركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.
وخلال العامين الماضيين قدمت إيران الحوثيين كتهديد حقيقي للملاحة الدولية بعدما زودتهم بأسلحة لاستهداف السفن ووجهتهم بالبدء، فالهجمات التي استهدفت سفنًا تجارية في البحر الأحمر لم تؤد فقط إلى اضطراب حركة الملاحة، بل دفعت شركات شحن عالمية إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، ما تسبب بارتفاع تكاليف النقل وتأخير سلاسل الإمداد الدولية.
لهذا السبب تبدو الإشارات الإيرانية الأخيرة إلى باب المندب أكثر أهمية مما قد تبدو عليه للوهلة الأولى؛ فهي تأتي في لحظة تواجه فيها طهران تحديات متزايدة، ما يجعل أدوات النفوذ الخارجية أكثر قيمة في حساباتها الاستراتيجية، فكلما ضاقت الخيارات المباشرة أمام إيران، ارتفعت أهمية الوكلاء الذين تعول عليهم في ممارسة الضغط بصورة غير مباشرة ومنحها مساحة أوسع للمناورة.
كما أن تكرار الحديث الإيراني عن باب المندب من قبل شخصيات متعددة، من إسماعيل قآني إلى علي أكبر ولايتي وغيرهما، يوحي بأن الأمر لا يتعلق بمواقف فردية معزولة، بل بخطاب سياسي يجري تعميمه داخل المؤسسة الإيرانية، وهذا الخطاب يحمل رسالة مفادها أن أمن الممرات البحرية في المنطقة لا يزال مرتبطًا بحسابات الصراع بين إيران وخصومها.
لكن في المقابل، فإن العودة إلى سياسة استهداف الملاحة الدولية لا تبدو خيارًا منخفض التكلفة كما كانت الحال في السابق، فالتجربة الأخيرة في البحر الأحمر أظهرت أن أي تصعيد من هذا النوع يستجلب ردود فعل دولية واسعة، ويؤدي إلى تعزيز الوجود العسكري الغربي في المنطقة، وهو ما قد يفرض على إيران ووكلائها أثمانًا سياسية وعسكرية أكبر مما تحققهم من مكاسب.