حين تصبح البيوت، وهي حرمات الآمنين ومستودع ذكرياتهم وملاذ أرواحهم، ساحةً مستباحة لشهوة السيطرة والنفوذ تحت لافتات الشرعية ومحاورها العسكرية، فإننا لا نتحدث عن مجرد عقارات مغتصبة أو شقق سكنية منهوبة في أزقة مدينة تعز الصابرة، بل نقف بكل مرارة أمام شرخ غائر يمزق النسيج الأخلاقي للعمل الوطني، ويعبث بروح القضية التي من أجلها قاوم الناس وضَحّوا؛ في وجه المشروع الحوثي ومليشياته.
إذ ليس أشد إيلاماً على النفس الحرة من أن يرى المواطن النازح، الذي جرّعته سنوات الحرب مرارة التشريد وقسوة المنافي، بيته الذي بناه بعرق السنين وقد تحول إلى وكر لغنائم الفصائل المسلحة وعناصر اللواء والكتيبة التابعين لمحور المدينة المعوّل عليه حمايتها.
إن هذا المشهد السريالي المقيت، الذي يتسيد فيه مشهد السطو والمماطلة أبناء قيادات عسكرية ونافذون يتحصنون بخلفياتهم الحزبية في تنظيم الإخوان، يمثل طعنة في خاصرة التضحيات الجسيمة التي قدمها أبناء هذه المحافظة لكسر الحصار الحوثي، فتحولت بندقية الدفاع في يدي البعض، إلى معول هدم وسطو، تبتز المواطن العائد وتطالبه بفدية مالية باهظة تحت ذريعة واهية تدعي حماية العقار وتكبد عناء حراسته طوال سنوات العاصفة.
وهنا تسقط كل الأقنعة وتتوارى التبريرات العسكرية الهشة التي تحاول تسويق هذا التعدي السافر كضرورة دفاعية أو تمركز فرضته خطوط التماس، إذ كيف يستقيم منطق الدفاع عن الحرية والكرامة إذا كان ثمنه مصادرة حرية المواطن البسيط وامتهان كرامته في الاستقرار داخل ممتلكاته الشخصية.
وأمام هذا التعنت والمماطلة الصارخة التي تجابه بها هذه العصابات الأوامر الرئاسية الصريحة والقرارات القضائية النافذة بالإخلاء، يبرز السؤال الوجودي الحارق حول جدوى المؤسسات الرسمية إذا غدت عاجزة عن كبح جماح أمراء الحرب داخل صفوفها، ويصبح الدفع بأن إثارة هذا الملف ليس إلا مكايدة سياسية أو حملة تحريض موجّهة ضد الحزب، عذراً أقبح من ذنب، ومحاولة بائسة لتوظيف الخطاب السياسي لشرعنة المظالم والتغطية على عورات الفساد والانتهاكات التي تزكم الأنوف.
إن الإنسان اليمني الواعي الذي عركته السنون وشهد تقلبات العقود يدرك جيداً أن الأوطان لا تُبنى ببيوت مغتصبة، وأن الانتصارات العسكرية تفقد مشروعيتها الأخلاقية والوطنية بالكامل إذا هي تأسست على أنقاض حقوق المستضعفين، ولن تستعيد تعز عافيتها أو يقوى عود شرعيتها إلا حين تُعاد الحقوق إلى نصابها، وتُخلى المدن من عسكرة الأحياء، وتُحترم حرمة السكن، ليعلم كل ذي سلطة وبندقية أن دماء الشهداء لم تسل لتبديل ظالم بظالم، بل لترسيخ قيم العدالة والقانون والحرية التي لا تتجزأ أبداً.