أوضح الباحث في الفكر السياسي ووكيل محافظة أبين عبدالعزيز الحمزة أن ما جرى خلال جلسات النقاش في أعمال المؤتمر الوطني للشراكة بين السلطة المركزية والسلطة المحلية المنعقد في مدينة عدن، يعكس مفارقة سياسية وفكرية لافتة تستحق التوقف عندها، ليس فقط لصدورها عن شخصيات عامة، بل لأنها جاءت على لسان مسؤولين يمثلان رأس الهرم التنفيذي في محافظتين يمنيتين عريقتين.
وفي التفاصيل، أشار الحمزة إلى أن محافظ أبين الدكتور مختار الهيثمي تحدث في الجانب الأول من المشهد عن محافظته من زاوية الانتماء التاريخي والعمق الحضاري، مستحضراً جذور أبين الضاربة في التاريخ اليمني القديم، ومشيراً إلى أن اسم أبين يعود إلى أحد أعلام الدولة الحميرية، وهو: أبين بن زهير بن الغوث بن أيمن بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وأوضح أن هذا الحديث لم يكن مجرد استدعاء لواقعة تاريخية أو معلومة نسبية، بل كان تعبيراً عن وعي سياسي بهوية المكان، وإدراكاً لأهمية ربط الحاضر بجذوره الحضارية، وتأكيداً على أن أبين ليست مجرد وحدة إدارية ضمن خارطة الدولة، بل امتداد طبيعي لتاريخ اليمن وهويته الجامعة.
وفي المقابل، لفت إلى أن محافظ أرخبيل سقطرى الأستاذ رأفت الثقلي طرح خلال النقاش تساؤلات أثارت استغراب الحاضرين وقلق المتابعين، عندما تساءل: "ما الذي يثبت أن سقطرى يمنية؟"، مستنداً إلى قرب الأرخبيل الجغرافي من السواحل الصومالية أكثر من بعض السواحل اليمنية.
ورغم أن الطرح ـ بحسب ما ورد ـ قد يُفهم في سياق فتح نقاش تاريخي أو جغرافي، إلا أن خطورته تكمن في دلالاته السياسية، خصوصاً عندما يصدر عن مسؤول يمثل أعلى سلطة محلية في المحافظة، بما يفتح المجال أمام تأويلات متعددة.
وأكد الحمزة أن الهوية الوطنية للدول لا تُبنى على معيار المسافة الجغرافية وحدها، وإلا لكان على كثير من الجزر والأقاليم حول العالم أن تعيد النظر في انتمائها السياسي، مشدداً على أن السيادة الوطنية تستند إلى التاريخ والقانون الدولي والاعترافات الدولية والإرادة السياسية.
وأوضح أن أرخبيل سقطرى جزء أصيل من الجمهورية اليمنية تاريخاً وقانوناً وسيادةً، ولم يكن محل نزاع دولي في أي مرحلة من المراحل الحديثة، لافتاً إلى أن إثارة مثل هذه التساؤلات في محافل رسمية لا يمكن النظر إليها كوجهة نظر عابرة، بل كخطاب قابل للاستثمار سياسياً من قبل أطراف إقليمية ودولية تسعى للتشكيك في وحدة الجغرافيا اليمنية.
وأضاف أن ما جرى يعكس مفارقة بين خطابين؛ الأول يتمثل في خطاب محافظ أبين الذي يؤصّل للهوية اليمنية ويربط الحاضر بجذوره الممتدة منذ ممالك سبأ وحمير، والثاني يفتح باب التساؤل حول يمنية جزء من أهم الجغرافيا الوطنية وأكثرها حساسية واستراتيجية.
وأشار إلى أن محافظة أبين كانت على مدى عقود من أكثر المحافظات اليمنية حضوراً في معارك الدفاع عن المشروع الوطني اليمني، حيث خرج منها قادة سياسيون وعسكريون ومناضلون كان لهم دور محوري في الدفاع عن الجمهورية والوحدة والاستقرار، وقدمت المحافظة تضحيات جسيمة في مواجهة المشاريع التي سعت إلى تمزيق الدولة أو مصادرة قرارها الوطني.
وأوضح أن أبين ـ وما تزال ـ حاضنة للرجال الذين وقفوا في الصفوف الأولى دفاعاً عن اليمن أرضاً وإنساناً وهوية، ولم يكن انتماؤها الوطني يوماً محل مساومة أو تردد، بل شكل جزءاً أصيلاً من وعيها الجمعي وثقافتها السياسية.
وأكد الحمزة أن ما صدر عن محافظ أبين يستحق الإشادة، لأنه يعكس خطاباً مسؤولاً يدرك أهمية حماية الوعي الوطني وتعزيز الانتماء للدولة، بينما ما صدر عن محافظ سقطرى يستدعي وقفة مسؤولة من قبل مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، ليس من باب التضييق على الآراء، وإنما من باب حماية الثوابت الوطنية ومنع أي خطاب قد يُستغل للإضرار بالسيادة اليمنية أو التشكيك في وحدة أراضيها.
وشدد على أن الأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالكلمة المسؤولة أيضاً، وأن تحصين الوعي الوطني لا يقل أهمية عن حماية الجغرافيا.
واختتم عبدالعزيز الحمزة بالتأكيد على أن اليمن اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يعزز وحدة الأرض والهوية والمصير، لا إلى خطابات تفتح أبواب التأويل والجدل حول حقائق استقرت تاريخياً وقانونياً وسياسياً، مضيفاً أن الفرق بين الموقفين ليس مجرد اختلاف بين محافظتين، بل هو اختلاف بين خطاب يبني الوطن وخطاب يربك الوعي به.
غرفة الأخبار/ عدن الغد