أكبر خطأ تقع فيه الحركات السياسية هو ربط قضاياها الوطنية بمحاور معادية لهوية شعوبها أو لمحيطها الإقليمي، مما يضعها في حالة عزلة، ويحولها إلى ساحة للاستقطابات وصراعات المحاور. وهذا ما تكرر في جنوب اليمن ثلاث مرات خلال تاريخه المعاصر:
الخطأ الأول: نحو المعسكر الاشتراكي
في عام 1967م، اتخذت الجبهة القومية، التي استولت على السلطة، قرارا بربط الدولة الوليدة بالمحور الشيوعي السوفيتي، وتبنى جناحها اليساري بقيادة عبدالفتاح إسماعيل وسالم ربيع نهجا راديكاليا معاديا للجوار الوطني والعربي، وبسبب تلك المغامرات دخل الجنوب في عزلة إقليمية وصراعات داخلية، استمرت إلى سقوط ذلك النظام.
الخطأ الثاني: نحو الضاحية الإيرانية
بعد انطلاق الحراك الجنوبي عام 2007، كرر علي سالم البيض نفس النهج المغامر، إذ ربط أكبر فصائل الحراك بالمشروع الإيراني، ونقل مقر قيادته وقناته الإعلامية إلى الضاحية الجنوبية في بيروت تحت حماية حزب الله اللبناني. وأدى ذلك إلى تشظي مكونات الحراك، وتشويه قضيته، وخسارة الخاضنة العربية.
الخطأ الثالث: نحو صوماليلاند
كرر المجلس الانتقالي الجنوبي، منذ تأسيسه عام 2017 بقيادة عيدروس الزبيدي، نفس أخطاء عبدالفتاح والبيض، بادعائه التمثيل الحصري للجنوب، وربط قضيته الوطنية بمشاريع خارجية معادية لمحيطه العربي.
وقد تمثل هذا الخطأ الجديد في الاعتقاد بأن نموذج "صوماليلاند"، المدعوم من أبوظبي وإسرائيل، هو المسار الذي ينبغي أن يسلكه الجنوب. وكانت تلك حسابات خاطئة وضعت القضية الجنوبية في حالة تصادم مع الأمن القومي العربي، وأدخلت الجنوب في صراعات محاور هو في غنى عنها. واليوم، تبدو النتائج السلبية لهذه السياسات ماثلة للعيان.
إن القاسم المشترك بين هذه المحطات الثلاث هو الارتهان لمحاور خارجية مصادمة لهوية المجتمع ومحيطه العربي، وهي ظاهرة تستحق المراجعة والدراسة، حتى لا تستمر الأخطاء في إعادة إنتاج نفسها بأسماء وشعارات مختلفة.