المحطة الأخيرة لـ سعاد حسني على شاشة السينما، لم تكن على قدر التوقعات بالنسبة لها، رغم أنه كان مشروعاً فنياً مشتركاً مع الفنان أحمد زكي؛ إذ كانت تنوي إرضاء جمهورها بعد الإخفاقات التي صاحبت فيلم "الدرجة الثالثة" للمخرج شريف عرفة، والذي عُرض عام 1988، إلا أنّها دخلت في دوامة وسط التغييرات السينمائية التي طرأت على المشهد السينمائي آنذاك، ولم ينجح فيلمها رغم الإشادات النقدية التي نالها، ليكون بمثابة نقطة التحوّل الإجباري التي أسدلت الستار على عطائها الفني.
سعاد حسني التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ السينما العربية، واعتُبرت طوال مسيرتها رمزاً للتجدد والأداء الفني اللافت، أطلت على جمهورها في شهر أكتوبر لعام 1991، من خلال فيلم "الراعي والنساء" للمخرج علي بدرخان، لتُفاجأ وقتها بوجودها أمام صراع إنتاجي فريد من نوعه، لوجود فيلم آخر بعنوان "رغبة متوحشة" بطولة الفنانة نادية الجندي، وإخراج خيري بشارة، والذي طُرح قبلها بأسابيع معدودة، وتحديداً في يونيو من العام ذاته، ومأخوذ عن الرواية نفسها، وهي "جريمة في جزيرة الماعز" للكاتب الإيطالي أوجو بيتي.
ورغم تقديم القصة نفسها في فيلمين خلال وقتٍ متزامن، إلا أنه كان هناك تباين على مستوى المعالجة والصورة، حيث ركز المخرج علي بدرخان في "الراعي والنساء" على العمق والهدوء، والتحليل النفسي المكثف للشخصيات، وقدمت فيه سعاد حسني أداءً استثنائياً وناضجاً، رغم الظروف الصحية والنفسية الصعبة التي كانت تمر بها السندريلا في تلك الفترة.
وفي المقابل، جاء فيلم "رغبة متوحشة" تحت قيادة خيري بشارة بمعالجة اتسمت بالجرأة التعبيرية والتناول الحاد والصراع المباشر، مستفيداً من نجومية نادية الجندي الجماهيرية وتوجه الفيلم نحو عناصر الجذب التجاري التي كانت تتطلبها دور العرض في بداية التسعينيات من القرن الماضي.كل هذه العناصر، وضعت سعاد حسني في مواجهة مباشرة، أمام شباك التذاكر، مع جمهور نادية الجندي الذي كان يهيمن على السوق السينمائي آنذاك بقوالب الحركة والإثارة، ليتفوق الأخير وبشكلٍ ملحوظ في حصد إيرادات ضخمة، رغم عدم وجود أرقام دقيقة أو رسمية معلنة، في المقابل اكتفى "الراعي والنساء" بالإشادات النقدية التي اعتبرته عملاً فنياً أعمق وأكثر نضجاً.
ويبدو أنّ هذه الصدمات، إلى جانب تبدّل ذائقة الجمهور وتصدر نوعية جديدة من الأفلام، شكلّت ضغطاً نفسياً كبيراً على سعاد حسني، فضلاً عن معاناتها مع آلامها الجسدية، لتُقرر الابتعاد قليلاً، والسفر إلى العاصمة البريطانية لندن في رحلة علاجية طويلة، لترحل عن عالمنا يوم 21 يونيو عام 2001، تاركةً وراءها إرثاً فنياً مميزاً.