على الرغم من التحذيرات المبكرة بشأن تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على قطاعها المالي، تظهر البيانات الحالية صورة معقدة تجمع بين الصمود غير المتوقع وتراجع تدريجي في الهيمنة العالمية للمركز المالي بلندن.
في الفترة التي سبقت استفتاء البريكست عام 2016، حذر قادة القطاع المالي، بمن فيهم الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورغان تشيس، من نقل آلاف الوظائف من بريطانيا. لكن بعد ما يقرب من عقد من الزمان، يخطط البنك نفسه لتوسيع كبير في لندن، في خطوة وصفتها وزيرة المالية بأنها تصويت بالثقة في الاقتصاد البريطاني. تشير بيانات سوق العمل إلى أن القطاع المالي في بريطانيا قد صمد بشكل أفضل مما كان متوقعاً، مع اقتراب وظائف الحي المالي من مستوياتها القياسية وتحقيق البنوك أرباحاً كبيرة.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست وردية بالكامل. تشير مقابلات مع مسؤولين تنفيذيين وبيانات تحليلية إلى تراجع هيمنة لندن كمركز مالي عالمي، رغم استمرار جاذبيتها لبعض المستثمرين. فقد أدت خسارة "جوازات الخدمات المالية" داخل الاتحاد الأوروبي إلى انتقال ما يقدر بنحو 40 ألف وظيفة إلى مراكز مالية أوروبية أخرى مثل باريس ودبلن. وعلى صعيد أوسع، تواجه كل من أوروبا وبريطانيا منافسة متزايدة من الأسواق المالية الآسيوية النشطة.
على الرغم من تراجع حصتها في النشاط المالي العالمي، لا تزال بريطانيا وجهة رئيسية لرأس المال الأجنبي، محتلة المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد انخفضت حصة بريطانيا من 8.6% في عام 2015 إلى 7% في عام 2025، بينما ارتفعت حصة الولايات المتحدة بشكل ملحوظ. وقد فقدت بريطانيا حصتها في 10 من أصل 12 فئة من النشاط المالي العالمي منذ عام 2015، مما يشير إلى تأثير واضح للبريكست على قدرتها التنافسية.
في المقابل، تواصل المؤسسات المالية الكبرى استثماراتها في بريطانيا. فقد أعلن جي بي مورغان تشيس عن توسيع مبادراته لدعم تمويل الشركات البريطانية وبناء مقر رئيسي جديد في لندن، بالإضافة إلى توسعة مركزه في بورنموث. كما أعلن سيتي جروب عن استثمار كبير في عملياته البريطانية. وتشير بيانات مؤسسة مدينة لندن إلى نمو في عدد العاملين بالقطاع المالي، حيث ارتفع إلى 676 ألف موظف بزيادة تتجاوز 25% منذ عام 2019.
تأثر القطاع المالي البريطاني أيضاً بعوامل خارجية، بما في ذلك جائحة كوفيد-19، الحرب في أوكرانيا، والتوترات الجيوسياسية، بالإضافة إلى إعادة تشكيل السياسات التجارية العالمية. كما ساهم ارتفاع أسعار الفائدة بعد الجائحة في تعزيز أرباح البنوك من الإقراض. وفي سياق متصل، تسعى الحكومة البريطانية إلى تخفيف القيود التنظيمية لتعزيز النمو، بما في ذلك تعديل بعض القواعد المالية. وقد أدت التعديلات التنظيمية، خاصة في قطاع التأمين، إلى تخفيف الأعباء الإدارية ومتطلبات رأس المال، مما أسهم في توسع قوي للقطاع.