أخبار محلية

المنسيون فوق القمم: مدارس ومستشفيات "تسكنها الأشباح"مشروع تدميري تتبناه مليشيا الحوثي

المنتصف نت- المنتصف نت 25/06/2026 06:16 387 مشاهدة
المنسيون فوق القمم: مدارس ومستشفيات "تسكنها الأشباح"مشروع تدميري تتبناه مليشيا الحوثي

​بينما يغرق العالم في سباق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ثمة آلاف اليمنيين في أعالي جبال "ريمة" و"المحويت" يعيشون في زمنٍ آخر، حيث لا يزال "ظهر الدابة" هو وسيلة النقل الوحيدة، وحيث تعتبر رحلة الوصول إلى مدرسة أو وحدة صحية "مغامرة محفوفة بالموت". هنا، حيث تعانق الجبال السحاب، تقبع مؤسسات الدولة كأطلالٍ تسكنها الأشباح، شاهدةً على غيابٍ كليٍّ لا تبرره وعورة الطريق، بل يفسره غياب الإرادة.

حكايةُ وطنٍ حوّلته سلطة الأمر مليشيا الحوثي إلى سجنٍ كبير

​في أعالي القمم اليمنية حيث تلامس الغيومُ قسوةَ الواقع، ثمة "يمنٌ آخر" يغيب عن شاشات الأضواء وخطابات المسؤولين، يمنٌ يعيش في عزلةٍ زمنية تفرضها تضاريسُ الأرض وسياساتُ التهميش. في جبال ريمة والمحويت، لا يمر الزمنُ بالساعات والدقائق، بل بانتظار معجزةٍ قد لا تأتي، وبأنينِ مريضٍ يرتجف على ظهر دابةٍ في طريقٍ لا يرحم. هناك، حيث تقف المدارس هياكلَ صامتة تكسوها خيوط العناكب، وتنتصب المراكز الصحية أشباحاً خاويةً من روحِ الطب، لا تكتفي الجغرافيا بفرض حصارها، بل تكتمل المأساة بقرارٍ سياسيٍّ متعمد يترك آلاف البشر خارج سجلات الحياة الكريمة.
إنها ليست مجرد قصةٍ عن "وعورة الطريق"، بل هي حكايةُ وطنٍ حوّلته سلطة الأمر مليشيا الحوثي إلى سجنٍ كبير، حيث التعليم "ترفٌ" لا يُطال، والعلاج "مغامرةٌ" تنتهي غالباً عند حافة الهاوية. 
هنا، في "عزلة الزمن" هذه، لا يسكن الناس الجبال فحسب، بل يسكنون الضياع بين صمتِ السلطة وعجزِ الواقع، منتظرين خبراً يكسر طوق الحرمان، أو عدالةً تنصف أجسادهم المتعبة التي ترفض الاندثار تحت وطأة النسيان

​"الطريق" .. قيدٌ يمنع الحياة
​في هذه المرتفعات، لا تكمن المأساة في الفقر وحده، بل في "العزلة الجغرافية" التي صنعتها سياسات التهميش. إن غياب الطرق المعبدة ليس مجرد حرمان من خدمة، بل هو "حصار" يفرضه واقع الإهمال. عندما لا تصل السيارة، لا يصل الطبيب، ولا تصل المعونة، ولا يصل التعليم الحديث. يتحول المواطن هنا إلى سجينٍ في جبله، مضطراً لاستخدام "الدواب" لنقل مريضٍ يصارع الموت أو طالباً يفتش عن مستقبلٍ خلف الضباب.

​مدارس بلا معلمين.. وصمتٌ يملأ الفصول
​تلك المباني الحجرية التي شيدتها جهود ذاتية أو بقايا مشاريع حكومية قديمة، تقف اليوم صامتة. داخل تلك الفصول، لا تجد معلماً يُعلم، بل تجد أحياناً "متطوعاً" يفتقر للتدريب، أو فراغاً قاتلاً يغري الغبار باستيطان المقاعد. 
التعليم هنا تحول من "حق إنساني" إلى "ترفٌ" لا يقدر على كلفته إلا من استطاع النزول إلى المدن، أما من بقي في القمة، فمصيره محكومٌ بالأمية أو التسرب المدرسي.

​المراكز الصحية.. هياكل بلا روح
​أما المراكز الصحية، فهي الأكثر إيلاماً. يمكنك أن تجد بناءً يحمل لافتة "مركز صحي"، لكنك لن تجد فيه حقنة دواء، ولا طبيباً يداوي، ولا حتى أبسط معدات الإسعاف الأولية. إنها مجرد جدرانٍ باردة، تتحول في لحظات الطوارئ إلى "غرف انتظار للموت". وحين يشتد المرض، لا يملك الأهالي خياراً سوى رحلة الأيام فوق ظهر الدواب، وهي رحلة غالباً ما تنتهي قبل الوصول إلى وجهتها.

​التساؤل المُرّ: لماذا؟
​إن العيش في هذه المرتفعات ليس خياراً للزهد، بل هو صمودٌ في وجه تضاريس الطبيعة وتضاريس "السياسة". إن السؤال الذي يطرحه كل مواطن هناك بمرارة: هل نحن يمنيون فقط في وقت الأزمات والحروب، بينما نخرج من سجلات الدولة في وقت الخدمة والبناء؟
​إن استمرار هذا الوضع هو تعبير عن "سقوط أخلاقي" لخطط التنمية. لا يعقل أن تظل هذه المناطق معزولة عن العالم، بينما يُتحدث عن مشاريع عابرة للحدود.

​نداءٌ إلى ما وراء الضباب
​إننا لا نطالب "بالكمال"، بل نطالب "بالحد الأدنى". إن بناء طريقٍ شرياني يربط هذه العزل بمديرياتها، وتوفير كادر تعليمي وصحي ثابت ومحفز، هو واجبٌ وطني لا يقبل التأجيل. إن هؤلاء السكان ليسوا أرقاماً في الإحصائيات، بل هم بشرٌ يملكون حقاً في الحياة الكريمة، وفي أن تصلهم الخدمات إلى عقر دارهم، لا أن يضطروا للموت في منتصف الطريق.

​ختاماً..
إنَّ أشباح المدارس والمستشفيات في قمم ريمة والمحويت لم تصبح كذلك بمحض الصدفة، بل هي نتاج "مشروع تدميري" ممنهج تتبناه مليشيا الحوثي، التي حولت الدولة إلى جبايةٍ للحرب بدلًا من تقديم الخدمة للمواطن. لقد تعمدت هذه المليشيا عزل هذه القمم عن الحياة، مُحولةً إياها إلى خزان بشري للتجنيد القسري، بينما تركت أهاليها يواجهون الموت على ظهور الدواب. إنهم يغلقون أبواب العلم والمعرفة ليضمنوا بقاء المجتمع أسيرًا لجهلهم وخرافاتهم، فالمعلم والطبيب لديهم "عبء" لا يخدم استمرار جبهات القتال. إنَّ صمت تلك الجدران ليس ناتجًا عن وعورة التضاريس، بل هو صدى لاختيار المليشيا إعطاء الأولوية للبارود على حساب الدواء والتعليم. أيُّ "سقوطٍ أخلاقي" أعظم من أن تُبنى متاريسُهم وتُعبد طرقُ إمدادِ مقاتليهم، بينما تُترك طرقُ المدنيين وعرةً تبتلع أرواح الأبرياء؟ إنَّ دماءَ الذين قضوا في رحلاتٍ شاقةٍ بحثًا عن علاجٍ أو حرفٍ أبجدي، هي أمانةٌ في رقبة هذه الجماعة التي سرقت "حلم الحياة" من عيون أطفال الجبال. لقد أرادوا لليمني أن يظل منسيًا، مقهورًا، ومحاصرًا في قممه، ليبقى مُستضعفًا لا يملك إلا الانقياد خلف شعاراتهم الزائفة. ستبقى هذه الأطلال شاهدةً على أنَّ "سياسة التجويع والإقصاء" هي العقيدة الحقيقية التي تحكم بها المليشيا، وستظل صرخة المظلومين في أعالي القمم لعنةً تلاحق كل من استبدلَ تنمية الإنسان بتكديس السلاح. إنَّ فجر الخلاص لن يبزغ إلا حين نكسر هذا الحصار الحوثي المطبق، ونعيد للقمم حقها في الحياة، وللإنسان اليمني كرامته المسلوبة فوق ترابِ أرضه.