آخر الأخبار
كل ما نعرفه عن زفاف تايلور سويفت من قائمة المدعوين إلى الإجراءات الأمنية   •   الآن| التحالف العربي يتوعد الحوثيين برد غير مسبوق.. ويكشف أهداف التصعيد ضد السعودية واليمن   •   تعليقا على قمع الصحفيين والإعلاميين..مؤسسة الضالع ما يحدث تسييس للإجراءات القانونية ضد المعارضين   •   قيادة القوات المشتركة للتحالف: سنرد بحزم وقوة غير مسبوقة لحماية أمن المملكة وسيادة اليمن   •   مجلس القيادة الرئاسي يحذر إيران من انتهاك السيادة اليمنية بعد رحلة إلى صنعاء   •   لماذا نفقد الشهيّة خلال الطقس الحارّ؟   •   صواعق تقتل 5 أشخاص وتصيب آخرين في محافظتين   •   مجلس القيادة الرئاسي يعقد اجتماعاً طارئاً ويحذر إيران من انتهاك سيادة اليمن   •   عاجل : التحالف العربي يتوعد بالرد على تهديدات الحوثيين: سنحمي أمن المملكة وسيادة اليمن بقوة غير مسبوقة   •   بين الحاجة والاحتراف.. الأزمة المعيشية تعيد تشكيل ظاهرة التسول في عدن وتحذيرات من استغلال الأطفال والنساء   •  
أخبار محلية

التوازن البارع.. كيف أدار الزعيم علي عبدالله صالح معادلة القبيلة والدولة؟

التوازن البارع.. كيف أدار الزعيم علي عبدالله صالح معادلة القبيلة والدولة؟

يمرّ التاريخ على الممالك والشعوب مراراً، لكنه حين يعبر باليمن، يتوقف طويلاً أمام طيات الجغرافيا وعنفوان القبيلة. 

وفي هذا المنعطف الوجودي الأشد قتامة الذي تعيشه البلاد، لم يعد البكاء على الأطلال ترفاً عاطفياً، بل غدا مراجعة سياسية واجتماعية حتمية تفرضها لغة الواقع المعاش.

اليوم، وفي ظل التصحير الممنهج الذي يطول الهوية اليمنية، تهمس الجبال والوديان بحقيقة باتت ملء السمع والبصر: "القبيلة تفتقد صالح"؛ تفتقد ذلك العقّاد الذي كان يعرف كيف يربط حبالها فلا ترتخي، وكيف يشد وثاقها فلا تنقطع.

لم تكن علاقة الرئيس علي عبدالله صالح بالقبيلة اليمنية مجرد تحالف سياسي عابر أو مناورة سلطوية مؤقتة، بل كانت هندسة اجتماعية شديدة التعقيد، صاغها رجل ينتمي لطين هذه الأرض، ويتنفس عُرفها، ويحفظ عن ظهر قلب ملامح وجوه مشايخها وعقالها.

لقد أدار صالح القبيلة بعقلية رجل الدولة الحصيف الذي يدرك أن كسر هذا المكون العريق يعني تصدع السقف فوق رؤوس الجميع. لم يسع يوماً إلى سحق كبرياء القبيلة، بل عمد إلى تحضيرها ومدينتها برفق، فاتحاً أمام أبنائها أبواب المدارس، والجامعات، والأكاديميات العسكرية، والسلك الدبلوماسي. 

تحول الشيخ في عهده من جبهة القتال إلى قاعات البرلمان، وغدا العُرف ذراعاً مساندة للقانون، يحقن الدماء ويهدئ الفتن، في إطار توازن بارع وصفت فيه القيادة بالرقص على رؤوس الثعابين، رقصة لم يكن يتقن إيقاعها وسبر أغوارها سواه.

كان صالح اليمني الأول في مجالس الصلح والوساطات؛ يمتلك تلك الكاريزما الآسرة التي تجعل أعتى الخصوم يضعون أسلحتهم عند عتبة بابه، مدفوعين بوقار الدولة واحترام العُرف. 

تدخل شخصياً في نزع فتيل مئات الحروب القبلية وقضايا الثأر المزمنة التي كادت أن تلتهم الأخضر واليابس في مأرب، والجوف، وشبوة، وعمران، وصنعاء. 

كان يبذل جاه الدولة ومالها لإرضاء الجميع، فيخرج المتخاصمون من قصر الرئاسة برؤوس مرفوعة، دون أن يشعر طرف بأنه مكسور أو مهان، لأن صالح كان يؤمن بأن كرامة الشيخ والقبيلة هي من كرامة الدولة ذاتها.

وعلى النقيض تماماً من هذا العهد المؤسسي الحصيف، يعيش اليمن اليوم في ظل انقلاب حوثي كاهن، جاء بمشروع سلالي أيديولوجي غريب على الطبع اليمني، يرى في القبيلة عدواً تاريخياً يجب تركيعه وتجريده من أنفته.

 وبدلاً من الاحترام والتقدير اللذين حظيت بهما القبيلة في عهد صالح، نصبت المليشيا الحوثية مقصلة لتصفية وتجريف النسيج القبلي.

سقطت الخطوط الحمراء، وهُتك العيب الأسود ففُجرت بيوت الوجهاء، وأُهينت اللحى البيضاء، وعُزل المشايخ الأصلاء ليُستبدلوا بمشايخ سفري ومشايخ ضمان يدينون بالولاء للمشرف السلالي، وتحولت القبيلة في نظر الكهنوت المعاصر من شريك صانع للقرار إلى مجرد خزان بشري يُساق أطفاله وشبابه قسراً ليكونوا وقوداً لحروب عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

إن المقارنة بين الأمس واليوم تسكب حبراً من دموع ودم، فقد رعت الدولة في الماضي صمامات الأمان الاجتماعي ووظفت العُرف لحفظ السلم، بينما تعمد المليشيا اليوم إلى إذكاء نيران الثارات القديمة وإحياء الفتن البينية لتطبيق سياسة فرق تسد الدموية، متكئة على مجتمع ممزق وكسير يسهل اقتياده والسيطرة عليه.

لقد ثبت بالدليل القاطع، الذي لا حجب لضوئه، أن القبيلة تفتقد اليوم ذلك الحضن السياسي الدافئ، وتلك الحنكة القيادية التي كانت تقابل العنفوان بالاحتواء، والخطأ بالصفح، والمكانة بالتقدير.

 تفتقد صالح لا كشخص غيبه الموت فحسب، بل كرمز لعهدة الاستقرار والجمهورية، وكمظلة وطنية كانت تحمي العُرف والدار. ومع ذلك، فإن هذه المعاناة وهذا التمحيص القاسي يحملان في طياتهما بذور اليقظة؛ فالقبيلة اليمنية الحية، المجبولة على الأنفة والحرية والوفاء لجمهوريتها، قد تنحني أمام العاصفة مؤقتاً، لكنها أبداً لا تموت ولا تقبل التدجين، وستظل تتحين اللحظة التاريخية الفارقة لتنتفض وتستعيد ذاتها، وتثأر لعُرفها المهدور، وتعيد بناء دولة المؤسسات التي طالما كانت سنداً لها وكانت هي سياجها المنيع.