في الوقت الذي تصرف فيه الحكومة أكثر من اثني عشر مليون دولار شهرياً تحت مسمى "الإعاشة" المترفة لكبار المسؤولين في مجلس القيادة الرئاسي، وأعضاء الحكومة، ونواب البرلمان، ومن لفّ لفهم من الأقارب والمقربين وأصحاب الوساطات الذين اتخذوا من فنادق العواصم الخارجية مستقراً ومقاماً تحت لافتة "النزوح"، يواجه الموظف النازح في الداخل اليمني واقعاً سريالياً ومريراً. فهو الذي صمد تحت لهيب الحرب، ودفن أبناءه شهداء، وشُرّد من منزله، وذاق ويلات الجوع والتنكيل، لا يجد اليوم من أولي الأمر سوى الفتات الذي لا يساوي 1% مما يُنفق على كبار القوم في "سياحة الإعاشة" الشهرية.
إن هذا التباين الفاحش ليس مجرد خلل إداري، بل فضيحة أخلاقية مكتملة الأركان، تُهدر فيها مقدرات الدولة على طبقة طفيلية أمنت العقاب، بينما يُترك الموظف الشريف يتسول حقه القانوني والدستوري، وهو الذي لم يجد في رحلة نزوحه القسري سوى وعود كاذبة تتبخر على موائد المفاوضات.
وأمام هذا العبث، لم تعد المناشدات الداخلية تجدي نفعاً، فالسلطة المحلية مشلولة، والحكومة غارقة في صفقاتها؛ لذا نرفع صوتنا اليوم إلى "أصحاب البند السابع" والمجتمع الدولي القائم على رعاية هذه المرحلة. فأنتم اليوم أمام اختبار أخلاقي حقيقي: هل ستستمرون في غض الطرف عن "نهب الرفاهية" الذي يمارسه المتنفذون، أم ستعملون على إلزامهم بصرف الحقوق المستحقة لأصحابها الذين أكلتهم نيران الجوع؟
إن الموظف النازح لا يستجدي، بل يطالب بتفعيل سلطتكم لإنقاذ ما تبقى من كرامة إنسانية يسحقها "علي بابا" وأعوانه.
شهادات من ركام الوجع
تحولت الدولة إلى "مغارة علي بابا" بثمانية زعماء وأربعين خادماً
قال "أبو علي"، وهو معلم نازح:
"نحن هنا، يا سادة، لا نعيش، بل ننتظر الموت ببطء. تخيلوا أن راتبي الذي أنتظره كالمعجزة لا يكفي لشراء كيس دقيق لأسرتي. بينما أقرأ عن الـ12 مليون دولار التي تُصرف إعاشة لأشباه مسؤولين في فنادق الخارج، أتساءل: هل نحن في بلد واحد؟ أم أننا في كوكبين مختلفين؟ إنهم يقتاتون على عرقنا ودموع أطفالنا ويسمون ذلك إعاشة، ونحن نتسول حقوقنا فيسمونها عبئاً على الميزانية.
يا للفضيحة! لقد تحولت الدولة إلى مغارة علي بابا بثمانية زعماء وأربعين خادماً، يتقاسمون الكعكة، ونحن نقتات على فتات الوعود الكاذبة، بينما تنهش عظامنا الحاجة، ويحرق قلوبنا أن نرى من باعوا الوطن يرفلون في ثياب الترف، فيما نغرق نحن في شبر من مياه الفقر. والمفارقة أننا نحن الذين بقينا لنحمي ما تبقى من أطلال الدولة، فهل من مجيب؟"
الموظف الشريف يُهان.. واللصوص يُكرَّمون
قالت "أم أسامة"، وهي موظفة صحية نازحة:"نزحت ومعي أطفالي من تحت القصف، وفقدنا بيتنا وكل ما نملك، واليوم نعيش في غرفة ضيقة كأنها قبر. أعمل بجد رغم كل الظروف، لكن المكافأة هي المماطلة. الحكومة التي تمتلك ملايين الدولارات لترفيه أقارب المسؤولين، لا تمتلك قرشاً لمرتب موظف أفنى عمره في خدمة الناس.
يا سادة، نحن لا نطلب إحساناً، بل نطلب حقنا المسلوب الذي كفله لنا الدستور. إنهم يسرقون خبزنا ليمولوا حفلات المسؤولين المترفين في الخارج. قلوبنا تشتعل غيظاً ونحن نرى الفساد يُشرعن، والنهب يُقنن، والموظف الشريف يُهان. هل تسمعوننا يا من بأيديكم القرار؟ أم أن أصواتنا لا تخترق جدران فنادقكم الفاخرة؟"
الالتزام بالقانون أصبح جريمة
قال "سعيد"، وهو موظف إداري:
"عجباً لهذا الزمن! الحكومة تتباكى على العجز المالي، وهي تصرف الملايين مقابل إعاشة لطبقة من المتنعمين. هل الموظف الذي صمد في الداخل عدو يجب تجويعه؟ وهل الالتزام بالقانون أصبح جريمة؟
نحن لا نريد أن نكون مثل أصحاب الوساطات الذين يتقاضون رواتبهم بالعملة الصعبة وهم نيام، كل ما نريده هو هذا الفتات المسمى راتباً. إن صمتكم المطبق تجاه معاناتنا، مقابل صرفكم البذخي على من لا يحتاج، هو أصدق دليل على أنكم لا تنتمون لهذا الوطن. إننا ننتظر يوم الحساب، ليس فقط في الآخرة، بل حين يثور الجائع الذي لم يعد لديه ما يخسره سوى جوعه."
ينهبون المليارات ثم يتحدثون عن "التقشف"
قال "خالد"، وهو مهندس نازح:
"لقد جفت حلوقنا من المناشدات، وبحت أصواتنا ونحن نطالب بأبسط حقوقنا. هؤلاء الثمانية، ومن خلفهم جيش من المنتفعين، يتصرفون في المال العام كأنه تركة ورثوها عن أجدادهم.
ألا يستحي هؤلاء وهم يقرأون عن معاناة الموظفين الذين يعيشون بالدَّين من البقالة؟ إنهم ينهبون المليارات ثم يتحدثون عن التقشف. أين تقشفكم هذا حين تُصرف الملايين شهرياً كإعاشة لمن لا يعملون؟ إننا نعيش في غابة، القانون فيها غائب، والعدالة فيها مجرد نكتة سمجة تُروى في مجالس المسؤولين وهم يحتسون القهوة."
وطني يسرقني ويطعم من سرقني
قالت "نادية"، وهي معلمة نازحة:"أحياناً أشعر أنني في حلم سيئ. أقف أمام السبورة لأعلم جيلاً كيف يحب وطنه، بينما وطني يسرقني ويطعم من سرقني. أطفالي يسألونني لماذا لا نشتري الحلوى مثل بقية الأطفال، ولا أجد ما أقوله إلا أن الدولة مشغولة بإعاشة المسؤولين في الخارج.
أي إهانة أكبر من هذه؟ لقد سلبونا كرامتنا قبل أرزاقنا. إننا لا نتوسل، بل نطالب بحق شرعي ومعمود بالمعاناة. يا أصحاب السلطة القائمين على البند السابع، إذا كنتم فعلاً حريصين على اليمن، فانظروا إلى الموظف المقهور، لا إلى المسؤول الذي يعيش في رفاهية مبنية على دموعنا."
أي ضمير هذا الذي يرضى بأن ينام الموظف خاوياً لكي ينام المسؤول شبعاناً؟
قال "ياسين"، وهو موظف نازح:
"لا أجد كلمات تصف هذا العبث. اثنا عشر مليون دولار شهرياً! لو قُسم هذا المبلغ على الموظفين النازحين لانتشلهم من تحت خط الفقر.
لكن أي ضمير هذا الذي يرضى بأن ينام الموظف خاوياً لكي ينام المسؤول شبعاناً؟ هؤلاء ليسوا حكومتنا، بل لصوص محترفون ببدلات رسمية. إنهم لا يعرفون معنى الجوع، ولا معنى أن تُطرد من بيتك، ولا معنى أن ترى أبناءك يذبلون أمام عينيك. نحن نناشد الضمير الإنساني الدولي، ونناشدكم يا من بأيديكم القرار، أن تضعوا حداً لهذه المهزلة، فالموظف اليمني لم يعد قادراً على تحمل المزيد."
زملائي تركوا وظائفهم ليعملوا في بيع القات والتنظيف لإعالة أسرهم
قالت "فاطمة"، وهي ممرضة نازحة: "أعمل في ظروف صعبة جداً، والمخاطر تحيط بي من كل جانب، وفي نهاية الشهر لا أجد ما يكفي لأصل إلى عملي. أرى زملائي يتركون وظائفهم ليعملوا في بيع القات أو أعمال التنظيف، فقط ليطعموا أسرهم.
أليس هذا عاراً على الحكومة؟ أليس عاراً على من يملك الـ12 مليون دولار؟ إنهم يدمرون الإنسان اليمني ويحطمون كرامته، ثم يتساءلون لماذا ينهار الوطن. الوطن ينهار لأنكم جعلتم من المسؤول صنماً يُعبد بالمال، ومن الموظف تراباً يُداس بالأقدام."
وقال "علي"، وهو موظف عام:
"لم نعد نرجو خيراً من حكومة لا ترى إلا مصالحها. نحن نرفع أصواتنا ليس طمعاً في عطفكم، بل انتزاعاً لحقنا. نحن باقون، رغم أنف الجوع، ورغم فسادكم، لأننا نحن الدولة، لا أنتم.
أنتم مرحلة عابرة من السواد، ونحن التاريخ الذي سيسجل خيانتكم للأمانة. يا من تدّعون الحق والنصر، أين نصركم من الجوع؟ أين حقنا في رواتبنا؟ إذا لم تتحركوا، فالتاريخ لن يرحمكم، والشعب الذي صبر على الحرب لن يصبر طويلاً على لصوص السلام."
ختاماً: حين يصبح "الحق" مطلباً و"النهب" سياسة!
لم يعد صمت الموظف النازح ضعفاً، بل شموخاً في وجه عاصفة من الفساد أطاحت بكل قيم العدالة. إن المعادلة باتت واضحة للعيان: "إعاشة الفنادق" مقابل "الجوع في الخيام"، و"امتيازات الأقارب" مقابل "حرمان الموظفين".
يا أصحاب البند السابع، ويا رعاة القرار الدولي، إن استمراركم في تمويل "الرفاهية الفاسدة" على حساب قوت من حموا الدولة بدمائهم وأرزاقهم هو مشاركة في الجريمة.
إن الراتب ليس مكرمة رئاسية تُمنح بالواسطة، ولا منّة حكومية تُصرف للمحظوظين، بل هو حق كفله الدستور والقانون، وأي تلاعب به تحت مبررات "العجز" بينما تُهدر الملايين في الخارج هو استخفاف لا يُغتفر.
لقد بحّت الأصوات، وجفت الأقلام، ولم يبق إلا الحقيقة العارية التي لن يطمسها الفساد ولا الصمت. إننا ننتظر وقفة حازمة، لا بيانات باهتة، تعيد الحق إلى أهله وتنهي أسطورة "الإعاشة الفارهة"، وإلا فإن التاريخ لن يرحم من خذل الجياع ليطعم اللصوص، ولن يغفر لهذه السلطة أن تجعل من موظفيها قرابين على مذبح الفساد.
إنها صرخة ستظل تلاحقكم حتى يُعاد الحق إلى نصابه، فإما عدالة تنقذ الموظف، أو سقوط أخلاقي يكتب نهاية هذه الحقبة بمداد من العار.