لم تعد محافظة إب، المعروفة تاريخياً بلقب "اللواء الأخضر" وعاصمة السياحة اليمنية، سوى واجهة لواحد من أبشع أنماط "اقتصاد الانقلاب" الذي تشهده المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.
خلف الطبيعة الساحرة والمدرجات الزراعية الممتدة، تدور عجلة اقتصادية سوداء تبلغ قيمتها مئات المليارات من الريالات، تُدار بواسطة شبكة معقدة من القيادات السلالية والمتحوثين، سواء الوافدين من معاقل المليشيا في أقصى الشمال أو الموالين لها من أبناء المحافظة أنفسهم.
تحولت المحافظة بفعل الارتفاع القياسي والجنوني لأسعار أراضيها وعقاراتها، والتي تُصنف كأغلى قيمة عقارية على مستوى اليمن بالكامل، إلى مغناطيس يجذب أطماع قيادات الصف الأول والثاني للمليشيا. ووفقاً لمعلومات وإحصائيات وثيقة الصلة بكواليس المليشيا في المحافظة، نجحت هذه القيادات في تشكيل لوبي مالي واستثماري عابر للمؤسسات، مستغلين نفوذهم الأمني والعسكري والوظيفة العامة المنهوبة لتحويل الموارد العامة ومقدرات الدولة إلى ملكيات خاصة ومشاريع تجارية عملاقة.
جبروت النفوذ النفطي وملايين "المساوى" العقارية
في صدارة هذا اللوبي المالي، يبرز اسم المتحوث قاسم المساوى، منتحل منصب وكيل محافظة إب لشؤون النفط والغاز والصناعة. يمثل المساوى النموذج الحي لكيفية تزاوج السلطة المليشاوية بالتجارة غير المشروعة، فمنذ تعيينه في هذا المنصب الحيوي، أحكم قبضته على قطاع المشتقات النفطية والغاز المنزلي، وهي السلع الأشد ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين، والأكثر توليداً للأموال النقدية السريعة عبر افتعال الأزمات وتغذية الأسواق الموازية.
وتشير البيانات الموثقة إلى أن الثروة الشخصية للمساوى المتأتية من هذا القطاع تضخمت بشكل فلكي، حيث بات يمتلك محفظة استثمارية من العقارات والأراضي الشاسعة في المخططات الحضرية الحيوية لمدينة إب وضواحيها، تُقدّر قيمتها بالمليارات بالسعر القديم للعملة.
لا يتوقف الأمر عند الأصول العقارية الثابتة، بل يمتد إلى تدفقات نقدية مستمرة، حيث يجني عائداً شهرياً صافياً ومباشراً من عمليات بيع وتوزيع النفط والغاز خارج الأطر الرسمية يبلغ قرابة أربعة ملايين ريال شهرياً.
أجنحة الجريمة المنظمة وذراع البطش والتحصيل
ولضمان استمرار تدفق هذه الملايين وحمايتها من صراعات الأجنحة الحوثية الأخرى، يعتمد المساوى على منظومة أمنية خاصة يقودها أحد أقربائه وأصاهره، ويدعى "أبو أحمد السقاف". يُعرف السقاف في الأوساط المحلية بأنه صاحب سوابق جنائية، لكن المليشيا وفي إطار سياستها القائمة على استخدام العناصر الإجرامية لترهيب المجتمع، قامت بتعيينه في جهاز أمني حساس بمديرية ريف إب.
يتولى السقاف مهامَ محددة وصارمة تتلخص في إدارة الجبايات، ومتابعة التحصيلات المالية الشهرية من محطات الوقود والغاز، وفرض الإتاوات على التجار بالقوة الأمنية الغاشمة. تحولت وظيفة السقاف الأمنية في ريف إب إلى مظلة لحماية الاستثمارات غير المشروعة لقريبه الوكيل، وقمع أي تذمر أو شكاوى قد تصدر من مالكي المحطات أو الوكلاء المحليين، مما يعكس بوضوح كيف تدار مؤسسات الأمن لخدمة الجيوب الخاصة للمشرفين.
تسييس القضاء لشرعنة النهب واحتكارات "القاسمي"
الضلع الثاني في هذا اللوبي المالي المرعب يمثله القيادي الحوثي يحيى القاسمي، المعين من قبل المليشيا في فرع ما تسمى هيئة رفع المظالم بمحافظة إب. في مفارقة صارخة، تحولت هذه الهيئة التي يزعم الحوثيون أنها أُنشئت لإنصاف المواطنين وحل النزاعات، إلى أداة لابتزاز الملاك الشرعيين للأراضي، وتسهيل مصادرة أملاك الدولة والأوقاف, وتحويلها لصالح القيادات النافذة. استغل القاسمي موقعه الرقابي لبناء إمبراطورية استثمارية خاصة وواسعة النطاق، وتؤكد المعلومات المسربة أنه بات يمتلك ويدير أكثر من خمسة مشاريع استثمارية كبرى تتنوع بين قطاع الفندقة والضيافة الفاخرة، والمراكز التجارية والأسواق والمولات الضخمة التي شُيدت مؤخراً في المحافظة. ولعل الأبرز في نشاط القاسمي المالي هو دخوله كشريك خفي وغير معلن في منتجع إب السياحي، وهو أحد أكبر المشاريع الترفيهية والسياحية في المحافظة. وتأتي هذه الشراكة القسرية كنوع من الحماية المليشاوية للمشروع، حيث يُمنح المشرف الحوثي حصة من الأرباح والأسهم مقابل كف أيدي المشرفين الآخرين عن ابتزاز المستثمرين الأصليين، أو فرض مضايقات أمنية وضريبية عليهم.
المخططات الهيكلية وبورصة "المروعي" للسيارات
وينضم إلى هذا التحالف المالي كركيزة أساسية منتحل منصب وكيل محافظة إب للشؤون الفنية والأشغال العامة، عبدالواحد المروعي، والذي يبرز كأحد أخطر أباطرة المال والعقارات في المحافظة متصدراً المرتبة الثالثة في قائمة القيادات الأكثر ثراءً ونفوذاً.
وتكمن خطورة الدور الذي يلعبه المروعي في تحكمه المباشر بالمخططات العمرانية والهيكلية للشوارع والأحياء، وصلاحيات شق الطرقات وتراخيص البناء والإشراف الفني.
يسخر المروعي هذه الصلاحيات لتعديل المخططات العمرانية عمداً بما يخدم مصالحه الشخصية، ليرفع القيمة السوقية للأراضي التي قام بشراء أو تملك حصص فيها مسبقاً، بينما يتم تدمير وتجريف أملاك المواطنين العاديين عبر شق شوارع وهمية تلتهم أراضيهم إذا رفضوا الانصياع للابتزاز. ولم تقتصر استثمارات عبدالواحد المروعي على بورصة العقارات والأراضي، بل امتدت لتشمل احتكار أسواق السلع الثقيلة والخدمية عبر تأسيس شبكة واسعة من معارض السيارات الحديثة، ومراكز استيراد وبيع قطع الغيار، ومعدات البناء، مستفيداً من الإعفاءات الجمركية والضريبية والنفوذ الواسع لتمرير تجارته الخاصة.
سر التكالب الحوثي على أراضي إب
يطرح المراقبون للشأن اليمني سؤالاً جوهرياً حول سر تزايد أطماع قادة الحوثيين بشكل مسعور على قطاع الأراضي والعقارات في إب تحديداً، والإجابة تكمن في الخصائص الديموغرافية والاقتصادية الفريدة لهذه المحافظة. تعد إب المصدر الأول للمغتربين اليمنيين في دول الخليج ومختلف دول العالم، وتتدفق ملايين الدولارات شهرياً كتحويلات ماليّة يفضل المغتربون استثمارها في شراء الأراضي وبناء العقارات في مساقط رؤوسهم، مما رفع أسعار الأراضي إلى مستويات قياسية تتجاوز في بعض الأحيان أسعار العقارات في عواصم عربية وأوروبية.
يضاف إلى ذلك الكثافة السكانية وموجات النزوح الهائلة التي استقبلتها المحافظة من مناطق المواجهات، مما خلق طلباً غير مسبوق على الشقق السكنية والمحلات التجارية وضاعف قيمة الإيجارات. كما تشكل مساحات أراضي الأوقاف الخصبة والشاسعة في إب صيداً سهلاً للهيئة الحوثية المستحدثة للأوقاف، حيث يتم الاستيلاء عليها وتأجيرها بأسعار رمزية للقيادات السلالية لتشييد استثماراتهم الخاصة عليها.
تفخيخ السلم الأهلي وتدمير رأس المال الوطني
هذا التجريف الممنهج للاقتصاد المحلي في محافظة إب، وإحلال لوبي المشرفين والمتحوثين بدلاً من القطاع الخاص التقليدي، يحمل تداعيات كارثية على مستقبل المحافظة واليمن بشكل عام. لم يعد الأمر مقتصراً على نهب إيرادات الدولة وحرمان الموظفين من رواتبهم، بل تحول إلى عملية هندسة ديموغرافية واقتصادية تهدف إلى تركيز الثروة في يد فئة محددة، وتحويل أصحاب الأرض الأصليين إلى مجرد أجراء أو مستأجرين لديهم. علاوة على ذلك، فإن الصراع المحموم بين أجنحة الحوثيين أنفسهم على هذه العقارات والجبايات بات يهدد بتفجير السلم الاجتماعي الهش في المحافظة، حيث شهدت إب مراراً اشتباكات مسلحة دموية وسقوط قتلى وجرحى بين فصائل تابعة لمشرفين قادمين من خارج المحافظة، وفصائل تابعة لمتحوثين محليين، بسبب الخلاف على تقاسم الأراضي المنهوبة وعائدات مبيعات النفط والغاز، مما يوضح أن دولة الجباية تُسخر المأساة الإنسانية لليمنيين بالكامل لبناء إمبراطوريات تجارية خاصة لأمراء الحرب.