صحيح أن تعز لا تختلف كثيرًا عن مدن اليمن التي شوهت الحرب ملامحها، وعبثت وشردت أبناءها، ودمرت حاضرهم ومستقبلهم، إلا أن تعز كان نصيبها أكبر من القهر والألم والعبث. عذابها مضاعف، فالحوثي من أمامها، وسماسرة الحرب والفساد يعيثون داخلها بالفساد والأطماع، والنتيجة أن الطرفين "سماسرة" لا يختلفان عن بعضهما، وتعز وقعت بين كماشتهما تنزف، وصارت أسوأ مدينة يمنية تغوص في فوضاها وفسادها، تبيض ذهبًا لهؤلاء السماسرة، بينما يتجرع التعزيون فوضاهما كل لحظة.
وصحيح أن مليشيا الحوثي فرضت حصارًا طويلًا على المدينة لسنوات، أغلقت الطرق وخنقت الحياة، وفي المقابل حوصرت من داخلها بالعابثين والجبايات والأطماع، وبدلًا من أن تكون مؤسسات الدولة نموذجًا للإدارة والعدالة، وجد المواطن نفسه أمام أزمات متلاحقة، وخدمات متدهورة، وجبايات تتزايد، وفساد يلتهم ما تبقى من ثقته بالمستقبل.
صارت معاناة التعزيين ورقة خسيسة يستفيد منها هوامير النفوذ وتجار الأزمات. فكلما طال أمد الأزمة، اتسعت دائرة المستفيدين منها، بينما تتراجع فرص الناس في العيش بكرامة.
كل هذا العبث يحدث في تعز، بينما الصمت يطبق على مجلس القيادة الرئاسي، دونما أي محاولات لحلحلة فوضى تعز وإخراجها مما هي فيه من مَجون مرعب، وكأنها صارت خارج إطار الزمن وخارج حسابات من يقيمون في فنادق الخارج.
التعزيون لا يريدون منهم مدينة خارقة، إنما يريدون مدينة تحمي آدميتهم، ودولة حقيقية تحمي القانون، وتوفر الخدمات، وتحاسب الفاسدين، وتعيد للمؤسسات دورها الحقيقي. إدارة مسؤولة تضع مصالح المواطنين قبل المصالح الحزبية، لا سماسرة حرب يقتلون تعز بجشعهم وأطماعهم.
حقيقة، الوضع في تعز مرعب جدًا، والجميع يعلمون به ويقابلونه بالتجاهل، ولم يعد فيها إلا أناس منهكون يتلفعون بأوجاعهم وأزماتهم المتوالية صبح مساء، وفي المقابل يتغول من يستثمرون هذه الأوجاع لزيادة أرباحهم.
فإلى متى ستظل تعز كدجاجة تبيض للسماسرة الذهب، بينما أبناؤها يموتون جوعًا وألمًا وذلًا ومهانة؟