هناك رجالٌ يغيبون عن الدنيا، لكنهم لا يغيبون عن الذاكرة؛ لأنهم عاشوا للناس قبل أن يعيشوا لأنفسهم، وتركوا في القلوب من الأثر ما يجعل حضورهم باقياً، وإن غيبتهم السنون.
تمر اليوم الذكرى الثانية لرحيل أخي وصديق عمري، الحبيب محمد بن محمد عبدالله العمري، وما يزال طيفه النبيل يملأ الذاكرة والوجدان، متحدياً غيابه الجسدي، وكأننا لم نفترق يوماً. تمر الأعوام، لكن العظماء لا يطويهم النسيان؛ لأنهم يتركون في حياة من عرفهم أثراً عميقاً من المحبة، وسيرةً عطرةً تتردد في المجالس والقلوب.
عرفته منذ الصبا رفيقاً للدراسة، وصديقاً للعمر، وأخاً لم تلده أمي. وتقاسمنا، على مدى أكثر من أربعة عقود، الأفراح والهموم، والأحلام والتجارب. كان دائم الوصل، قريباً من أصدقائه، حاضراً في تفاصيل حياتهم، يحمل قلباً كبيراً عامراً بالوفاء النادر.
ولا يزال لقاؤنا الأخير في القاهرة حياً في ذاكرتي؛ إذ جاء في رحلة علاج قصيرة. ورغم وعثاء المرض الذي أثقل جسده، لم تفارقه ابتسامته الصادقة، ولا روحه المرحة، ولا اهتمامه بالآخرين. كان يحمل اليمن في قلبه، ويحدثني بآمال عريضة بانتهاء محنة الوطن التي أنهكت أبناءه.
لقد كان الراحل رجل دولة من الطراز الرفيع، وإدارياً ناجحاً، وقائداً وطنياً مخلصاً، وقبل ذلك كله إنساناً استثنائياً بدماثة أخلاقه، وتواضعه، ولطفه. لم يسعَ يوماً إلى الأضواء، ولم يكن من طلاب الشهرة، بل كانت أعماله المخلصة وإنجازاته هي التي تتحدث عنه، وتلفت الأنظار إليه.
خسرناه جسداً، لكننا لم نفقد أثره الطيب، ولا مواقفه النبيلة التي تُروى كلما ذُكر الرجال الأوفياء. وفي هذه الذكرى، نزداد يقيناً بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بطول عمره، وإنما بما يغرسه من حب في قلوب الآخرين، وما يتركه من أثرٍ طيبٍ يبقى بعد رحيله.
في ذكراك الثانية، يا أبا يحيى، لا نقول إلا ما يرضي ربنا. نسأل الله العلي القدير أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيك عن وطنك وأهلك وأصدقائك خير الجزاء، وأن يجمعنا بك في دار كرامته.
رحمك الله رحمةً واسعة، وأعلى منزلتك في الفردوس الأعلى، وألهم أبناءك وأسرتك الكريمة ومحبيك جميل الصبر والسلوان. ستبقى حاضراً في قلوبنا، ولن تغيب عن دعائنا ما حيينا.
أخبار محلية
عامان على الرحيل.. ومحمد العمري باقٍ في القلوب