متابعات خاصة | تقرير استقصائي
يواجه القطاع المصرفي غير الرسمي في اليمن زلزالاً مالياً غير مسبوق، وضع مدخرات آلاف المواطنين في مهب الريح؛ إذ تزامنت موجة إفلاس متسارعة لعدد من كبرى شركات الصرافة مع تحسن نسبي في قيمة الريال اليمني منذ منتصف عام 2025. وتطرح هذه الانهيارات المتلاحقة تساؤلات حاسمة حول الآليات التي اتبعتها هذه الكيانات لتبديد أموال المودعين، ومصير تلك المليارات المتبخرة.
سلط تقرير لشبكة "العين الإخبارية" الضوء على هذه الأزمة الكارثية، مفككاً خيوط اللعبة المالية التي أدت إلى سقوط هذه الشركات وتفحم ودائع المواطنين.
تحسّن العملة: القشة التي قصمت ظهر النظام الهش
في قراءة تحليلية لأبعاد هذه الهزة المصرفية، أوضحت الباحثة الاقتصادية مرفت عبدالواسع، في تصريحات خاصة لـ"العين الإخبارية"، أن التحسن الملحوظ الذي طرأ على سعر صرف الريال اليمني في المحافظات المحررة خلال شهري يوليو وأغسطس من العام الماضي.
وأكدت عبدالواسع أن هذا التحسن لم يكن مسبباً للإفلاس بحد ذاته، بل كان بمثابة "كاشف العوار الأكاديمي" الذي عرّى الهشاشة البنيوية والتنظيمية لهذه الكيانات المالية، والتي اعتمدت لسنوات على الفوضى المصرفية.
"مقامرة العملة" والتحول الإجباري إلى بنوك وهمية
كشف التقرير عن الأسباب الفنية والممارسات غير القانونية التي قادت هذه الشركات إلى الهاوية:
• انخفاض قيمة الأصول (خسائر إعادة التقييم): احتفظت شركات صرافة بكميات هائلة من النقد الأجنبي (الدولار والريال السعودي) مراهنةً على استمرار تدهور العملة المحلية. ومع تحسن الريال المفاجئ، تراجعت قيمة تلك الأصول، مما كبد الشركات خسائر دفتيرية وتشغيلية فادحة.
• بنوك ظل غير مرخصة: مارست هذه الشركات دور "البنوك البديلة" عبر استقبال ودائع المواطنين وتوفير فوائد مغرية دون أي غطاء قانوني أو رقابي، وهو نشاط مصرفي يحظره القانون على شركات الصرافة.
• المضاربة بأموال الناس: بددت شركات الصرافة جزءاً ضخماً من أموال المودعين في عمليات "مضاربة خطيرة" بالعملة في الأسواق الموازية، فيما تم تحويل الجزء الآخر إلى أصول عقارية واستثمارية غير سائلة (أراضٍ وعقارات) لا يمكن تسييلها سريعاً لمواجهة طلبات السحب.
صدمة الذعر المصرفي (Bank Run)
أدى تحسن سعر الصرف إلى بث الذعر في نفوس المودعين؛ حيث استشعر المواطنون خطر بقاء أموالهم لدى هذه الشركات، وتدافع الآلاف في وقت واحد لسحب ودائعهم.
هذا التدافع المفاجئ تسبب في شلل تام وعجز هذه الشركات عن توفير السيولة النقدية، تزامناً مع إجراءات رقابية صارمة اتخذها البنك المركزي في عدن لتنظيف السوق وطرد المنشآت غير الملتزمة باللوائح المنظمة.
مصير الأموال: تبخر أم تجميد؟
وفقاً للباحثة الاقتصادية، فإن مصير مليارات المودعين يتأرجح بين مسارين كارثيين:
خارطة طريق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
شددت عبدالواسع على ضرورة تفعيل خطة طوارئ حكومية عاجلة ومحكمة لحماية حقوق المودعين، وتتضمن ثلاث ركائز أساسية:
1. آلية الاسترداد المتدرج: وضع صيغة قانونية تضمن استرداداً جزئياً وسريعاً لأموال المواطنين، مع منح الأولوية القصوى لصغار المودعين الذين تمثل هذه المبالغ مصدر عيشهم الوحيد.
2. تجميد الأصول والتحفظ الفوري: إصدار قرارات قضائية سريعة للحجز على كافة الأصول العقارية والنقدية والحسابات البنكية لمالكي شركات الصرافة المتعثرة لمنع تهريبها.
3. تشريع قانون الإفلاس وحماية الدائنين: إقرار قانون حديث للإفلاس المالي ينظم عملية تصفية الكيانات المتعثرة ويضمن التوزيع العادل للموجودات بين الدائنين والمودعين تحت إشراف قضائي ومصرفي مباشر.