في تاريخ اليمن أيامٌ لا تُقاس بالتقويم، بل بما تركته من أثر في فكرة الدولة. ويُعد السابع عشر من يوليو 1978 واحدًا من تلك الأيام التي لا تزال، بعد عقود، تثير أسئلة أكثر مما تقدم إجابات.
ففي ذلك اليوم، انتُخب المقدم علي عبدالله صالح رئيسًا للجمهورية العربية اليمنية، في لحظة كانت البلاد تقف فيها على حافة الفراغ، بعد سلسلة من الاغتيالات والانقلابات التي جعلت السلطة تبدو أقصر عمرًا من أصحابها.
لم يكن الرجل، حين وصل إلى الرئاسة، يحمل مشروعًا فكريًا معلنًا، ولا خطابًا أيديولوجيًا صارخًا. جاء من المؤسسة العسكرية، في زمن كانت فيه البنادق أكثر حضورًا من الدساتير، لكن ما حدث لاحقًا هو أن اليمن دخل مرحلة مختلفة؛ مرحلة انتقلت فيها الدولة، ولو تدريجيًا، من كونها فكرة محاصرة داخل صنعاء إلى حضور أوسع في الجغرافيا اليمنية.
لم يكن الطريق إلى السلطة في السابع عشر من يوليو 1978 مفروشًا بالورود، بل كان معبّدًا بالمخاطر. فقد تسلم علي عبدالله صالح دولة أنهكتها الصراعات، وأثقلتها الانقسامات القبلية والسياسية، وتناوبت على قيادتها الاغتيالات والانقلابات، حتى بدا كرسي الرئاسة أقرب إلى فخ منه إلى منصب.
غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بأن العقود الأولى من حكم الزعيم علي عبدالله صالح شهدت توسعًا في البنية التحتية، وامتدادًا لشبكات الطرق والكهرباء والتعليم والصحة، وتأسيسًا لمؤسسات الدولة الحديثة. لقد بدأ المواطن يرى المدرسة في قريته، والطريق يصل إلى مناطق كانت معزولة، وأصبحت الدولة، للمرة الأولى، رقمًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
سياسيًا، كانت التجربة أكثر تعقيدًا. فقد انتقلت البلاد من نظام الحزب الواحد إلى التعددية السياسية بعد تحقيق الوحدة اليمنية، وأُقرت قوانين سمحت بهامش من حرية الصحافة والعمل الحزبي. وبالمقارنة مع البيئة الإقليمية في تلك المرحلة، بدت اليمن تجربة مختلفة، وإن ظلت الديمقراطية فيها محكومة بتوازنات القوة أكثر من احتكامها الكامل إلى المؤسسات.
لقد كان علي عبدالله صالح شخصية استثنائية في التاريخ اليمني؛ استطاع أن يحول لحظة كانت الدولة فيها مهددة بالتفكك إلى مرحلة اتسمت بالاستقرار السياسي، وقاد تحقيق الوحدة اليمنية، وأدار بلدًا شديد التعقيد بتوازنات قبلية وسياسية وإقليمية متشابكة. وفي المقابل، ترك خلفه دولة مثقلة بالتناقضات، سرعان ما انفجرت بعد خروجه من السلطة، لتدخل اليمن واحدة من أكثر مراحله قسوة.
وإذا كانت التجارب الكبرى تُقاس بحجم ما أنجزته وما واجهته من تحديات، فإن تجربة علي عبدالله صالح تظل واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في تاريخ اليمن الحديث؛ تجربة تركت آثارها في الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وما زالت محل نقاش بين المؤرخين والسياسيين، لأنها شكلت مرحلة فارقة في مسيرة الدولة اليمنية، بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات وتعقيدات.