على صخرةٍ قاحلة معزولة في أقصى شمال الأرض ضمن المحيط المتجمد الشمالي بمساحة لا تتجاوز 1.3 كم مربع، تعرف باسم "جزيرة هانز"، استمر صراعٌ بين كندا والدنمارك لما يقارب نصف قرن، وذلك فيما عرف ب حرب الويسكي؛ حيث كانت كندا تعمل إسقاط جوي على هذه الجزيرة المنسية وترفع عليها العلم الكندي مع علبة ويسكي من الذي تشتهر بصناعته، ثم تأتي الدنمارك فتنزع العلم الكندي وتثبت بدله علمها مع علبة ويسكي من إنتاجها، حربٌ تبدو في ظاهرها فكاهية لكنها كانت جادة، بدأ فيها صراع السيادة والنزاع الحدودي بين الدولتين رسمياً في 17 ديسمبر 1973، وانتهت بتوقيع اتفاقية التقسيم التاريخية في 14 يونيو 2022.
إيران وانتهاكات السيادة
إذا كانت الدول الكبرى تقيم الدنيا ولا تقعدها لأجل صخرة معزولة بمساحة ضئيلة في القطب المتجمد، فكيف يُسمح باستباحة سيادة بلد كامل يتمتع بكافة أركان السيادة ككل لا يتجزأ، بموجب القانون الدولي؛ البرية والبحرية والجوية والسيادة القانونية والمؤسسية والاعتبارية، كما هو حال إيران في تعاملها مع الجمهورية اليمنية.
ففي حين نص القانون الدولي على هذه المحددات الصارمة، لكن دولة مثل إيران، لا تزال عبر ذراعها الحوثي مستمرة في انتهاك كل أركان السيادة الوطنية في اليمن، كأمر لم يعد يخفى على أحد، رغم أنه لا تربطها باليمن أي حدود برية أو بحرية أو جوية أو سياسية، إلا أنها تتعمد إسقاط الدولة اليمنية، وتصدير أزماتها إلى المنطقة والبحر الأحمر، إلى جانب تهديد وابتزاز دول الخليج العربي عبرها، باعتبارها امتدادًا جغرافيا وتاريخيا وذات روابط وثيقة لا يمكن تفكيكها مع الجمهورية اليمنية.
قناع الإنكار المتبادل:
استمر الإنكار الحوثي لعلاقته مع طهران طيلة فترات تمرده على الدولة والذي انتهى بالانقلاب والسيطرة على العاصمة صنعاء في العام 2015م ، رغم الإثباتات الكثيرة التي كانت تقدمها الحكومة اليمنية للمجتمع الدولي، وهو النهج الذي استمرت في إنكاره طهران، فلماذا استمر تبادل الإنكار لهذه العلاقة المحرمة والمجرّمة دوليا بين الطرفين؟!.
لقد تكشفت حقيقة هذه العلاقة بعد الانقلاب الحوثي على الدولة في العام 2014م، وقد كان مارس 2015 هو اللحظة الحقيقية التي أسقطت فيها طهران وأداتها الحوثية قناع الإنكار المتبادل؛ إذ سارع الحوثيون بعد انقلابهم على صنعاء إلى توقيع اتفاقية ملاحة مباشرة تمنح طيران "ماهان إير" الإيراني الحق في تسيير 14 رحلة أسبوعية بين العاصمتين، الأمر الذي بدى في ظاهره إنسانيا بينما كان في جوهره ممرا مفتوحا لنقل خبراء الحرس الثوري والسلاح والمعدات والمعتقدات الإيرانية إلى صنعاء، من ثم تم انطلاق العمليات العسكرية للتحالف فيما عرف بعاصفة الحزم، والتي بموجبها تم منع هذا الجسر الجوي من الاستمرار، ولكنه استمر التهريب البري والبحري الإيراني للحوثيين عبر عدد من المنافذ البرية والبحرية دون توقف.
واقع سيادي جديد
ولتجفيف التهريب وبسط السيادة البحرية، وبعد تشكيل قوات المقاومة الوطنية بقيادة العميد طارق صالح في مطلع عام 2018، انطلق حُرّاس الجمهورية بمشاركة ألوية العمالقة، والتهاميين، بإسناد من التحالف العربي للسيطرة على مدينة وميناء الحديدة في 13 يونيو 2018، وتم تحقيق تقدم متسارع وصلت من خلاله هذه القوات إلى أطراف المدينة ومع اقترابها من حسم المعركة وصياغة واقع سيادي جديد، تدخلت الأمم المتحدة بضغوطها الدولية، ما أسفر عن إيقاف العملية بتوقيع اتفاق ستوكهولم وتنفيذه رسميا في 18 ديسمبر 2018، هذا الاتفاق لم يكن سوى طوق نجاة للمليشيا، حوّل الميناء من شريان تجاري مفترض إلى قاعدة إيرانية متقدمة لتهريب الأسلحة وإطلاق المسيرات وقرصنة السفن.
استفزازات مستمرة
واستمرت طهران وذراعها الحوثي في ممارساتها المشبوهة لتقويض السيادة الوطنية حتى وصل بها الحد إلى استهداف موانئ ومطارات الشرعية بشكل فجّ خارج عن كل القوانين والمواثيق الدولية، حيث استهدفت مطار عدن الدولي في 30 ديسمبر 2020 بثلاثة صواريخ باليستية تزامناً مع هبوط طائرة الحكومة اليمنية الجديدة، وفي 11 سبتمبر 2021 استهدفوا ميناء المخاء التاريخي بالصواريخ والمسيرات تزامنا مع بدء تدشين العمل فيه ورسو سفن تجارية، بهدف منعه من ذلك، كما استهدفوا بطيران مسير، في أواخر عام 2022، مينائي "الضبة" في حضرموت و"النشيمة" في شبوة، ما أدى إلى وقف تصدير النفط الخام وحرمان الدولة من ميزانيتها الأساسية لتمويل الخدمات والمرتبات.
إبريل والكذبة الممتدة:
الملاحظ أن بعض هذه الاستهدافات كانت خلال العام 2022 وهو العام الذي شهد فيه الأول من أبريل أطول كذبة ممتدة سميت بالهدنة الأممية والتي يمكنني تسميتها ب" كذبة أبريل" إذا ما نظرنا إلى حجم الخروقات الحوثية، ورغم التعامل المرن والإنساني الذي ميز تعامل الدولة الشرعية مع الحوثيين طوال الفترة السابقة، والذي تجلى بوضوح في موافقتها بموجب الهدنة على تسهيل نقل المسافرين والمرضى عبر مطار صنعاء إلى الأردن وغيرها باستخدام جوازات سفر صادرة من الميليشيا، إلا أنها اعتبرت ذلك تنازلا ضعيفا ضمن التنازلات الكثيرة التي قدمتها الشرعية من منطق الدولة، حيث واجهت الأمر بعدد من الاستفزازات منها احتجاز 4 طائرات تابعة للناقل الوطني (الخطوط الجوية اليمنية) أدى إلى تدميرها فيما بعد خلال الضربات الإ.سر.ائيلية على مطار صنعاء، كما منعت الشركة من أكثر من 120 مليون دولار وقامت بتجميدها. حتى وصل بها الحال إلى تهديد السيادة بفرض جسر جوي بينها وبين طهران الى مطار صنعاء خلال هذا الشهر الموافق يوليو 2026م، وهو ما لم تستسلم له الحكومة هذه المرة ووجهت ضربتها لمنع هذا الأمر رغم تصاعد الأحداث التي قد تؤدي إلى إنفجار المعركة بين الطرفين قريبا والتي يؤمل من خلالها استعادة كامل السيادة الوطنية على كل التراب اليمني.
انتحار ماهان
ربما أدت النجاحات الحكومية في ضبط عمليات التهريب البحري مؤخرا والتي أدت لإحباط شحنات أسلحة متطورة في البحرين الأحمر والعربي، مثل ضبط المقاومة الوطنية لسفينة الشروا بحمولة 750 طناً من معدات الصواريخ والمسيرات قادمة من إيران إلى الميليشيا، والعملية الأخيرة لقوات العمالقة الجنوبية في ضبط قارب بحري محمل بمعدات أسلحة وذخيرة وطيران مسير، إلى جانب النجاحات التي حققتها قوات الطوارئ اليمنية الفرقة الأولى في تجفيف شبكات التهريب البري، أضف إلى ذلك ما مثله وجود مطارح الكرامة في الجوف من خنق ممرات التهريب الحيوي عبر الصحراء من هذه المحافظة،
ربما أدى كل ذلك إلى انسداد الأفق أمام الحوثيين في مواصلة أنشطة التهريب المشبوهة بينها وبين طهران، بل وأصاب قدرتها على ذلك بشلل حاد، ما جعلها تلجأ إلى الانتحار عبر انتهاك السيادة الجوية للجمهورية اليمنية واستغلال حدث العزاء في مقتل خامنئي لمحاولة فتح "خط تهريب جوي مباشر" كخيار يائس واضطراري.
والخلاصة
لن تعود السيادة الوطنية بكامل أركانها إلى وضعها الطبيعي إلا ببتر هذه الأيادي العابثة عبر دحرها عسكريا واستعادة الدولة؛ دولة يتساوى فيها الجميع تحت سيادة القانون والعدالة وفرض السيطرة الكاملة وحماية الأمن والاستقرار والدفع بعجلة البناء والتنمية بعيدا عن الصراعات الطائفية التي فرضتها إيران، ويقولون متى هو: قل عسى أن يكون ذلك قريبا..