أخبار محلية

بينهم مثقفون، مهندسون، وشيوخ قبائل: الحديدة.. مدينة في مهب الاختفاء: حينما تبتلع "سراديب" المليشيا خيرة العقول والأبرياء

المنتصف نت- المنتصف نت 20/07/2026 18:54 281 مشاهدة
بينهم مثقفون، مهندسون، وشيوخ قبائل: الحديدة.. مدينة في مهب الاختفاء: حينما تبتلع "سراديب" المليشيا خيرة العقول والأبرياء

في الحديدة، لا يعني الاختفاء القسري مجرد غياب مؤقت لشخصٍ ما، بل يعني الدخول في "ثقب أسود" لا يعود منه أحد إلا بـ"جثة" أو "حطام إنسان".

لقد حولت المليشيا الحوثية مدينة الحديدة من ميناء حيوي إلى سجن مفتوح، حيث لا يملك المواطن حق السؤال عن أبنائه، ولا حق المعرفة بمصير ذويه.
إن ظاهرة الاختفاء القسري هنا ليست عشوائية، بل هي أداة قمع استراتيجية تهدف إلى كسر شوكة المجتمع، وإفراغ المدينة من كل صوت حر أو شخصية وطنية يمكن أن تقود تحركاً ضد جبروت "المشرفين". إننا أمام جريمة إنسانية مكتملة الأركان، حيث يتم استدراج الضحايا من بيوتهم أو من مقار أعمالهم، ليغيبوا خلف قضبان سرية، بعيداً عن أعين القضاء، وفي غياهب سجون لا تعترف بها أي قوانين أرضية أو سماوية.

شهادات من خلف جدران الصمت
"أم عبد الرحمن" (زوجة أحد المخفيين قسراً منذ عامين) تقول:"منذ اختطفوه من أمام باب منزلنا، لم أعد أعرف طعم النوم. أطرق كل الأبواب، وأسأل في أقسام الشرطة، وفي السجون الأمنية، وحتى عند المشرفين في الحي، والرد دائماً هو الإنكار أو التهديد. 'زوجك ليس عندنا'، هكذا يقولون ببرود، بينما أخبرتني مصادر موثوقة أنه محتجز في قبو تحت الأرض بمبنى حكومي سابق. كيف يمكن لإنسان أن يتبخر من الوجود؟ إنهم لا يختطفون الرجال فقط، بل يختطفون عقولنا وأرواحنا. أولادي يسألونني كل يوم عن أبيهم، ولا أملك إلا الدموع. الحديدة اليوم أصبحت مدينة الأرامل والأمهات المفجوعات، حيث يتوارى الناس خوفاً من أن يكون الدور عليهم في قائمة 'الغياب الأبدي' التي تديرها المليشيا بكل وحشية."

"محمد" (ناشط حقوقي وثق عشرات حالات الاختفاء) قال:
"الاختفاء القسري في الحديدة يتم عبر نمط محدد: يتم اختطاف الناشطين، والمعارضين، وحتى التجار الذين يرفضون دفع الجبايات، من قبل أطقم تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الحوثي. يُنقلون إلى سجون سرية، بعضها في فيلات خاصة أو أقبية مدارس، لا يعلم أحد بمكانها. الهدف ليس التحقيق القانوني، بل 'التغييب' لضمان عدم وجود شهود أو معارضين. لقد وثقت حالات لأشخاص اختفوا منذ سنوات، وعندما سألنا، كانت الإجابة هي تهم جاهزة مثل 'التخابر مع العدوان'. هذا التضليل ليس إلا غطاءً لجرائم إنسانية بشعة. المليشيا تستخدم سياستها هذه لإرهاب المجتمع وتفتيته، ومنع أي محاولة للانتفاض ضد واقع النهب والظلم الذي تعيشه المدينة."

"سعيد" (سجين سابق أُفرج عنه بعد أشهر من الإخفاء) قال:
"لا يمكنك أن تتخيل الجحيم الذي عشته. كنت معصوب العينين لأشهر، لا أرى ضوء الشمس، ولا أعرف الليل من النهار. في ذلك القبو، لم أكن وحيداً؛ كان معي العشرات، منهم مثقفون، ومهندسون، وشيوخ قبائل. الاختفاء القسري في الحديدة هو سلاح لقتل 'الكرامة'. كانوا يستجوبوننا ليس عن تهم حقيقية، بل عن أسماء آخرين، وعن أسرار البيوت، وعن أي شيء يمكن أن يربطنا بـ'مقاومة' المليشيا. الطعام كان بالكاد يبقينا على قيد الحياة، والتعذيب كان يومياً، والأسوأ هو الشعور بأن أحداً في الخارج لا يعرف أين أنت. خرجت من ذلك الجحيم، لكنني ما زلت أشعر بأن روحي بقيت هناك مع بقية المخفيين الذين لا يزالون يواجهون مصيراً مجهولاً."

"حنان" (أخت مختفٍ قسرياً) قالت:"أخي كان مجرد موظف بسيط، لكنه كان يرفض الانصياع لأوامر المشرفين في منطقتنا، فكان مصيره الاختفاء. نحن لا نبحث عن المال أو السلطة، نبحث فقط عن إجابة: هل هو حي؟ هل هو ميت؟ المليشيا تتعمد إطالة أمد الإخفاء القسري كنوع من التعذيب النفسي للعائلات. يرفضون الإفصاح عن مصير أي مختطف، ويمنعون الزيارات، وحتى عندما نصل إلى طريق مسدود، يطالبوننا بمبالغ طائلة 'لتسهيل' معرفة مكانه، ثم نكتشف أنهم يخدعوننا. إنهم يتاجرون بمآسينا.
الحديدة اليوم تعيش حالة من الذل الممنهج، حيث لا أحد يجرؤ على المطالبة بحق، خوفاً من أن يلحق بمصير من اختفوا. المدينة صامتة، لكنه صمت الرعب، وليس صمت الرضا."

"خالد" (محامٍ حقوقي) قال:
"نحن نواجه تحدياً قانونياً شبه مستحيل؛ فالمليشيا لا تعترف بوجود هؤلاء المختفين أصلاً. لا توجد سجلات، ولا أوامر قبض قضائية، ولا يوجد مكان يمكن لأهالي المفقودين اللجوء إليه. المحاكم في الحديدة أصبحت مجرد ديكور، والقضاة يخشون حتى ذكر مصطلح 'مفقود' في جلساتهم. الاختفاء القسري هنا هو أداة لترسيخ نفوذ سلطة الأمر الواقع، حيث يتم التخلص من كل صاحب حق أو كل شخص يمكن أن يشكل خطراً فكرياً أو اجتماعياً. إنها عملية إفراغ للمحافظة من نخبها ومن كل من يملك صوتاً حراً. الحديدة اليوم هي مسرح لجريمة إنسانية مستمرة، والضحايا يتزايدون، بينما يتجاهل العالم صرخات المكلومين الذين يبحثون عن أحبائهم في دهاليز سجون المليشيا."

ختاماً: الحديدة.. مدينة المفقودين بلا أثر
إن "الإخفاء القسري" في الحديدة هو الوجه الأكثر إظلاماً لسلطة المليشيا، وهو الدليل القاطع على أنها لا تحكم بالقانون، بل بالترهيب والإلغاء.
إن اختفاء أبناء الحديدة ليس مجرد خسارة لأفراد، بل هو عملية اقتلاع لجذور المجتمع، حيث يُغيب الأحرار خلف جدران الصمت ليخلو الجو للمشرفين والقتلة.
إننا نضع هذه الحقائق أمام الضمير الإنساني: كيف يمكن أن تبقى مدينة بهذا الحجم من الانتهاكات تحت وطأة الغياب القسري دون أن تلتفت إليها المنظمات الدولية؟
الحديدة تستحق أن ترفع صوتها، وأهالي المفقودين ينتظرون يوماً تُفتح فيه تلك الأقبية السرية، ليعرفوا الحقيقة، مهما كانت قاسية، ولينتهي هذا الكابوس الذي حوّل أحياء المدينة إلى أشباح تبحث عن ذويها في المجهول.