الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - 10:31 م بتوقيت عدن
المصدر: بقلم / د. سعيد سالم الحرباجيفي الدول التي تحترم نفسها تُبنى البنوك حيث يسمح القانون، وتُقام المشاريع حيث تقتضي المصلحة العامة، وتظل الساحات والمتنفسات ملكًا للمواطنين.
أما في عدن....
فيبدو أن بعض أصحاب النفوذ اكتشفوا قانونًا جديدًا يقول:( إذا كان المال حاضرًا.. فلتتراجع المدينة خطوة إلى الخلف ) .
ما حدث في مدخل الشارع الرئيسي بمدينة المعلا ليس مجرد عملية بناء عادية، بل مشهد يستحق أن يُدرّس تحت عنوان:
كيف تتحول المصلحة العامة إلى ضحية عندما تغيب هيبة الدولة؟
لقد أقدم بنك عدن الأول الإسلامي على إنشاء فرع له في موقع كان يمثل متنفسًا عامًا، وموقفًا للمركبات، وجزءًا من الهوية البصرية لمدخل المعلا.
ورغم الاعتراضات الواسعة التي عبّر عنها المواطنون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، توقفت الأعمال فترة قصيرة، ثم عادت بوتيرة متسارعة، وكأن المطلوب لم يكن احترام القانون، بل انتظار أن يخفت صوت الناس.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يجوز دفنه تحت أكوام الإسمنت:
من الذي منح الترخيص؟
ومن الذي أجاز إقامة منشأة في موقع يرى كثير من المواطنين أنه جزء من الفضاء العام؟
وهل خضعت الإجراءات للمسارات القانونية والتنظيمية؟
أم أن القانون أصبح مرنًا إلى الحد الذي يسمح بتغيير ملامح مدينة بأكملها بتوقيع واحد؟
إن القضية لم تعد تتعلق ببنك.. بل بمبدأ.
فحين يشعر المواطن أن النفوذ يستطيع أن يغيّر وجه مدينته، بينما يعجز القانون عن الدفاع عن حقه، فإن الثقة بالمؤسسات تتآكل، ويصبح العبث هو القاعدة، لا الاستثناء.
إن الاستثمار الذي يبدأ بالتصادم مع المصلحة العامة لا يبعث برسالة طمأنينة، بل يثير أسئلة مشروعة حول كيفية اتخاذ القرار، وحول دور الجهات المختصة في حماية التخطيط العمراني والملك العام.
رسالة إلى محافظ محافظة عدن:
سعادة المحافظ....
هذا المبنى لا يقع في أطراف المحافظة، بل على مرمى البصر من مقر مكتبك .
ولذلك فإن المواطنين ينتظرون منكم موقفًا يليق بمسؤولية المنصب....
لا لأن القضية تخص مبنىً واحدًا، بل لأنها تمس صورة عدن وهيبة القانون.
نأمل إصدار توجيهات عاجلة بمراجعة مشروعية الترخيص، ونشر نتائج المراجعة بشفافية، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تجاوزه أو مخالفته، أيًا كان موقعه، حفاظًا على حق المدينة وحق مواطنيها.
فعدن ليست قطعة أرض بلا صاحب، وليست غنيمة تُقتسم بين أصحاب النفوذ، بل مدينة عريقة تستحق إدارة تحميها، لا إدارة تُتهم بالعجز عن حماية أبسط معالمها.
إن المدن لا تموت بالحروب وحدها، بل تموت أيضًا عندما يصبح القانون أضعف من الإسمنت، وعندما تتحول المناصب العامة من أمانة لحماية المدينة إلى مجرد أختام تُمنح بها التراخيص دون مساءلة.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث ليس إقامة مبنى جديد، بل أن يعتاد الناس رؤية التجاوز فلا يعودوا يسألون: من سمح؟ ولماذا؟ ومن سيحاسَب؟ فإذا مات هذا السؤال... ماتت معه الدولة.