لم تعد قضايا النساء والعنف الأسري والتحديات المرتبطة بحماية الأطفال والنساء شأنًا هامشيًا يمكن التعامل معه بإجراءات تقليدية، بل أصبحت الحاجة إلى مؤسسات شرطية متخصصة قادرة على فهم خصوصية هذه القضايا والتعامل معها بحساسية ومهنية ضرورةً ملحة، خصوصًا في مجتمع تتردد فيه كثير من النساء في التوجه إلى مراكز الشرطة لعرض معاناتهن.
ومن هذا المنطلق، تؤكد العميد علياء صالح عمر، مدير عام الإدارة العامة لحماية الأسرة والشرطة النسائية بوزارة الداخلية، أن تعزيز حضور الشرطة النسائية وتوسيع نطاق عملها يمثلان خطوة أساسية نحو بناء منظومة أمنية أكثر قربًا من المجتمع، وأكثر قدرة على حماية النساء والأطفال والتعامل مع القضايا الأسرية والاجتماعية الحساسة.
وتوضح العميد علياء أن وجود الشرطة النسائية في العاصمة عدن يعود إلى ما قبل عام 2015، غير أن المرحلة اللاحقة شهدت توجهًا نحو تطوير هذا الدور وتوسيع نطاقه من خلال إنشاء مراكز وأقسام متخصصة تستقبل شكاوى النساء والأطفال، وتوفر لهن بيئة آمنة ومريحة لعرض قضاياهن بعيدًا عن الحرج أو الخوف.
وأشارت إلى أن عدد فروع إدارات حماية الأسرة والطفل في العاصمة عدن بلغ 21 فرعًا موزعة على مراكز الشرطة، بحيث يوجد في كل مركز شرطة قسم مختص بحماية الأسرة والطفل، تتولى إدارته مسؤولة، ويرتبط إداريًا بنائبة مدير الشرطة لشؤون المرأة والطفل.
وأضافت أنه تم اعتماد فرعين كتجربة أولى لمراكز متخصصة بحماية الأسرة والطفل، هما:
مركز حماية الأسرة والطفل في مديرية المنصورة بالعاصمة عدن، ويُدار بواسطة كادر نسائي.
مركز حماية الأسرة والطفل في منطقة فوة بمحافظة حضرموت، وذلك في إطار التوسع وتطوير آليات العمل الأمني.
كما امتد هذا التوسع إلى المحافظات المحررة، حيث بلغ عدد فروع ومراكز الشرطة النسائية حتى الآن ثمانية فروع تعمل على استقبال شكاوى النساء، والتعامل مع قضايا العنف الأسري، والنساء المعنفات، والأطفال، والقضايا الاجتماعية والأمنية ذات الطبيعة الحساسة.
وتقول العميد علياء إن عمل هذه المراكز لا يقتصر على استقبال البلاغات فقط، بل يمتد إلى توفير منظومة متكاملة للتعامل مع قضايا العنف الأسري، والنساء المعنفات، وقضايا الأطفال، والاعتداءات التي تتطلب خصوصية في التحقيق والاستماع والمتابعة.
وأضافت أن وجود عناصر نسائية مدربة داخل مراكز الشرطة يمنح النساء مساحة أكبر للتحدث بحرية وطرح مشكلاتهن، خصوصًا في القضايا الحساسة، مشيرة إلى أن الشرطة النسائية أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من منظومة العمل الأمني، وليست مجرد مكون ثانوي داخل المؤسسات الشرطية.
وأكدت مدير عام الإدارة العامة لحماية الأسرة والشرطة النسائية أن بناء القدرات كان من أولويات عمل الإدارة، حيث جرى تعزيز قدرات الشرطة النسائية في العاصمة عدن وغيرها من المحافظات، ورفد عدد من المواقع الأمنية والشرطية بمنتسبات قادرات على التعامل مع النساء في مختلف المواقع، بما في ذلك الأحوال المدنية والجوازات والمطارات والنقاط الأمنية والمؤسسات ذات العلاقة.
وأشارت إلى أن عدد المنتسبات والموظفات اللواتي جرى تأهيلهن وتعزيز قدراتهن بلغ نحو 800 منتسبة وموظفة، بما يعكس اتساع الحاجة إلى وجود كوادر نسائية مؤهلة في مختلف مفاصل العمل الأمني والخدمي.
وأردفت أنه تم كذلك إنشاء مدرسة لتأهيل وتدريب الشرطيات بالتعاون مع منظمة الإصلاح الجنائي والحكومة الهولندية، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية وتأهيلية بالتنسيق مع إدارة التأهيل والتدريب في وزارة الداخلية، بهدف رفع كفاءة المنتسبات في الجوانب الأمنية والقانونية والإنسانية.
وأوضحت أن برامج التأهيل تشمل التدريب على كيفية التعامل مع قضايا العنف الأسري، وإجراءات الضبط والاستدلال، والقوانين واللوائح المنظمة للعمل الأمني، وقانون العقوبات، والإجراءات الجزائية، وآليات التعامل مع الأدلة ومسرح الجريمة، فضلًا عن تطوير مهارات التواصل مع المجتمع والتعامل مع الضحايا، بما يضمن أداءً مهنيًا يراعي طبيعة كل قضية وخصوصيتها.
وأكدت أن الدورات التدريبية، رغم محدودية الإمكانيات، أسهمت في تأهيل عدد من المنتسبات ورفع جاهزيتهن للعمل، مشددة على أن الاستثمار في العنصر البشري يمثل الأساس الحقيقي لتطوير الشرطة النسائية وتعزيز قدرتها على أداء مهامها.
وأضافت أن الشرطة النسائية تشهد اليوم توسعًا ملحوظًا في بنيتها وانتشارها الجغرافي، غير أن هذا التوسع لا يخلو من التحديات، وفي مقدمتها محدودية الموارد المالية، وتأخر صرف المرتبات، وضعف الميزانيات، ونقص بعض الوسائل، مثل أدوات كشف الجريمة والأدلة الجنائية.
وأكدت أن وجود أقسام ومكاتب لاستقبال شكاوى النساء في المحافظات يمثل ضرورة قصوى، خصوصًا في المناطق التي تشهد قضايا أسرية واجتماعية معقدة، مشيرة إلى أن قرب هذه المراكز من المجتمع يخفف كثيرًا من العوائق التي قد تحول دون وصول المرأة إلى الجهات الأمنية.
وأضافت أن وزارة الداخلية، ممثلة بوزير الداخلية اللواء الركن إبراهيم حيدان، وقيادات الأمن في المحافظات، أبدت دعمًا للتوجهات المتعلقة بتعزيز دور المرأة في العمل الأمني، غير أن مستوى الدعم يظل مرتبطًا بالإمكانات المتاحة، الأمر الذي يتطلب مزيدًا من الشراكات مع الجهات الحكومية والمنظمات والمؤسسات الداعمة.
ورغم التحديات ونقص الإمكانيات، أكدت العميد علياء صالح أن العمل مستمر، وأن الطموح أكبر من الواقع الحالي، وأن مسيرة تطوير الشرطة النسائية ستتواصل خطوة بعد أخرى حتى تصبح المرأة قادرة على الوصول إلى العدالة والأمان دون خوف أو تردد، وحتى تصبح حماية الأسرة مسؤولية مؤسسية ومجتمعية متكاملة.
وأضافت أن رؤية الإدارة العامة لحماية الأسرة والشرطة النسائية لا تقتصر على الجانب الأمني وحده، بل تمتد إلى الجانب الإنساني والاجتماعي، خصوصًا فيما يتعلق بالنساء السجينات والأحداث.
وأكدت أن الهدف يجب أن يكون إعادة بناء الإنسان، لا الاكتفاء بعقوبة السجن، مشيرة إلى أهمية توفير برامج التأهيل والتعليم والتدريب للنساء السجينات، بما يساعدهن على استعادة قدرتهن على الاندماج في المجتمع، وتحويلهن من أشخاص يعانون من آثار الماضي إلى أفراد فاعلين وقادرين على بدء حياة جديدة.
كما شددت على ضرورة الاهتمام بالأطفال والأحداث باعتبارهم قادة المستقبل، وعدم تركهم عرضة للشارع أو الاستغلال أو الانحراف، خصوصًا في ظل تنامي بعض المشكلات الاجتماعية وانتشار مخاطر المخدرات والعنف.
وترى أن حماية هذه الفئة مسؤولية مشتركة بين الدولة، ووزارة الداخلية، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ووزارة المرأة، والمنظمات والمؤسسات المجتمعية، من خلال توفير برامج تعليمية وتأهيلية وتدريبية تفتح أمامهم فرصًا جديدة للحياة.
وفيما يتعلق بالابتزاز الإلكتروني، أفادت العميد علياء أن الشرطة النسائية تستقبل بلاغات وشكاوى النساء، ويتم الاستماع إلى صاحبة الشكوى والتعامل مع القضية وفق الإجراءات القانونية، ثم إحالتها إلى الجهات المختصة في البحث الجنائي والنيابة العامة، بحسب طبيعة كل حالة.
ولفتت إلى أن القوانين النافذة تتضمن مواد يمكن الاستناد إليها في التعامل مع هذه القضايا، إلا أن التطور المتسارع في الجرائم الإلكترونية يفرض الحاجة إلى تطوير التشريعات والإجراءات بما يتناسب مع طبيعة الجرائم الحديثة.
كما وجهت العميد علياء صالح رسالة إلى المجتمع مفادها أن الشرطة النسائية وجدت لخدمة النساء وحمايتهن، وأن دورها لا يختلف في جوهره عن دور أي مؤسسة خدمية أخرى.
وأوضحت أن المرأة التي تتوجه إلى المؤسسات الصحية عندما تحتاج إلى العلاج، بحاجة أيضًا إلى التوجه إلى الشرطة النسائية عندما تتعرض للعنف أو التهديد أو الابتزاز أو أي شكل من أشكال الاعتداء.
وشددت على أهمية تعاون المجتمع مع الشرطة النسائية والإبلاغ عن الجرائم والمخاطر التي قد تتعرض لها النساء والأطفال، مؤكدة أن المعلومة التي يقدمها المواطن قد تسهم في حماية ضحية، أو منع جريمة، أو إنقاذ أسرة.
وأكدت أن الشرطة النسائية ليست بعيدة عن المجتمع، بل هي جزء منه، "منكم وإليكم"، تعمل على الاستماع والحماية والإحالة والتنسيق مع الجهات المختصة والمنظمات التي تقدم الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي للنساء والأطفال.
ختامًا، عندما تجد المرأة بابًا آمنًا لتقديم شكواها، فإن ذلك لا يعني حماية امرأة واحدة فحسب، بل يعني حماية أسرة، وصون مجتمع، وبناء مستقبل أكثر أمنًا وإنصافًا.