أخبار محلية

في مواجهة الهيمنة والكهنوت.. تاريخ من الغرب يتكرر في الشرق

في مواجهة الهيمنة والكهنوت.. تاريخ من الغرب يتكرر في الشرق

أثناء مأدبة عشاء في البيت الأبيض، وخلال زيارته الأولى إلى الولايات المتحدة في أبريل 2026، قال الملك البريطاني تشارلز الثالث، مخاطباً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: "لقد علّقتم مؤخراً يا سيادة الرئيس بأن الدول الأوروبية كانت ستتحدث الألمانية لولا الولايات المتحدة.. وأجرؤ أنا على القول إنه لولانا نحن البريطانيين، لكان الأمريكيون يتحدثون الفرنسية اليوم"، ويقصد الملك بذلك أنه لو انتصرت فرنسا في حرب السنوات السبع (1754-1763)، بين الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية لكانت أمريكا اليوم مستعمرة فرنسية وتتحدث لغتها، في حين كان ترامب قد عيّر الأوروبيين سابقاً بأنهم "لولا التدخل الأمريكي في الحرب العالمية الثانية لكانوا يتحدثون الألمانية اليوم".


جغرافيا ممزقة

ويخفي هذا المزاح الدبلوماسي بين الزعيمين تأريخاً من التحالفات التي قامت مع وضد، في سبيل مواجهة الهيمنة والكهنوت والاستعمار والعبودية.
فقبل أن تصبح الولايات المتحدة القوة العظمى في العالم، كانت مجرد جغرافيا ممزقة، في القرنين الخامس والسادس عشر، إذ تقاسمت السيطرة عليها كلٌ من إسبانيا -التي كان لها الفضل في اكتشافها- على الغرب والجنوب الأمريكي، وسيطرت بريطانيا طيلة 169 عامًا على الساحل الشرقي أو ما عرفت بالمستعمرات الـ13، أي ما يقارب جغرافيا 22 ولاية من الولايات الأمريكية الحالية إن بشكل جزئي أو كلي،  بينما كانت سيطرة فرنسا على الشمال والقلب فيما عرف باسم "فرنسا الجديدة" وتضم كندا إلى جانب أراض أخرى تشكل من الولايات الحالية حوالي 15 ولاية أمريكية كاملة أو جزئية.
كانت تلك الأراضي الفرنسية تطوق المستعمرات البريطانية من الشمال والوسط والغرب على شكل هلال مانع لتمددها، وعندما شرع الفرنسيون في بناء سلسلة من الحصون العسكرية في وادي أوهايو لتأمين طرق التجارة لديهم، عدت بريطانيا ذلك اعتداءً على أراضيها، فأرسل حاكم فرجينيا البريطاني قوة عسكرية صغيرة بقيادة شاب يدعى جورج واشنطن (الرئيس الأمريكي لاحقا) لطرد الفرنسيين، فوقعت مناوشات مسلحة أشعلت فتيل الحرب في القارة بأكملها.

حرب السنوات السبع

استمر الصراع بينهما فيما عرفت بحرب السنوات السبع وانتصرت بريطانيا عام 1763، وطردت النفوذ الفرنسي من هناك، وهو ما أشار إليه الملك البريطاني في المقدمة، خرجت بريطانيا منتصرة على فرنسا لكنها كانت غارقة في الديون،  فبدأت في العديد من الممارسات التي عدها الأمريكيون ظالمة، وتطور الصراع إلى أن تحول إلى ثورة أمريكية عارمة، حينها عقد جورج واشنطن تحالفًا عسكريًا مع فرنسا،  فقدمت له الدعم الكافي على مختلف الأصعدة لكسر ما سميت حينها بـ"الهيمنة البريطانية"، واستمرت الحرب ثماني سنوات انتصر بعدها الأمريكيون، وتحقق الاستقلال رسميًا في معاهدة باريس عام 1783، وأصبح جورج واشنطن الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية.
قاتل جورج واشنطن مع البريطانيين ضد الفرنسيين وكلاهما كان يحتل بلاده، ثم تحالف مع الفرنسيين لكسر الهيمنة البريطانية على بلاده، وهو الأمر الذي لم يذكره التاريخ كعيب أو منقصة، لأن الهدف كان أسمى من استحضار الماضي والتقوقع فيه كما تعمل السلحفاة، حيث ستكون النتيجة أنك ستظل تراوح مكانك وستكون فريسة سهلة لتماسيح الهيمنة الكبرى، وهذا ما يمكننا أن نذكّر به المكونات والقوى الشرعية في اليمن في مماحكاتها مع بعضها عن علاقاتها السابقة مع الحوثيين!

التحرر من العبودية والكهنوت

وفي حين توجد سلالة كهنوتية ضيّفها اليمنيون وأكرموها فعادت لتبسط سيطرتها على رقابهم وتدّعي السيادة عليهم، نذكّر أن الأمريكيين بعد الاستقلال، كان لديهم أفارقة سود تم استقدامهم وبالتالي استعبادهم وبخاصة في الولايات الكونفدرالية في الجنوب، لكن الأمريكيين أنكروا ذلك وانتصروا في 18 ديسمبر 1865، وأعلنوا إلغاء العبودية وتحرير العبيد بشكل قانوني في كل الولايات الأمريكية بعد حرب شرسة دامت أربع سنوات.
في المقابل، كانت فرنسا تخوض ثورتها ضد "الكهنوت الكنسي الذي تمثل في:
- سلطة رجال الدين الكاثوليك الذين كانوا يدّعون الحق الإلهي في حكم الناس، كما يعمل أصحاب الحق الإلهي في إيران واليمن ولبنان وغيرها.
- ثانياً مواجهة الاستبداد الذي استعبد الشعب اقتصادياً بما كان يسمى حينها "بالعشور"، وهو يوازي ما يسمى عند مليشيا الحوثي والإمامة من قبلهم بـ"الخُمُس" أي ضِعف ما كان يفرضه الكهنوت الكاثوليكي على الناس هناك، يعني أنهم كان أرحم من هؤلاء!!
- وفي الجانب الفكري كان الفرنسيون يواجهون سلطة القمع المتمثلة في محاكم التفتيش، ولك أن تبحث عن ممارساته لتجد مدى القواسم المشتركة بينه وبين الكهنوت الإمامي قديماً والحوثي حديثاً في اليمن.

الجمهوريات الثلاث

بعد انتصار الفرنسيين على الكنيسة والكهنوت أعلنوا جمهوريتهم الأولى بتاريخ 21 سبتمبر 1792م، وفي شهر مشابه انتزع اليمنيون جمهوريتهم الأولى من كهنوت بيت حميد الدين، ولم يستقر الأمر عند هذا الحد، حيث دخلت فرنسا بعدها في صراع بين الملكيين والجمهوريين استمر قرابة قرن من الزمان، عبر عدة محطات بدأت بقطع رأس الملك لويس السادس عشر، وصعود نابليون بونابرت، ثم انهزم، وتحالفت القوى الأوروبية لإعادة ملوك سلالة آل بوربون إلى العرش، ليعود معهم الكهنوت الكنسي محاولاً الانتقام من الثورة، ثم ثار الفرنسيون عام 1830 للإطاحة بالملك شارل العاشر، حتى أعلنوا الجمهورية الثانية عام 1848، لكن سرعان ما انقض عليها لويس نابليون بونابرت وحولها إلى الإمبراطورية الثانية عام 1852، وعقب هزيمة فرنسا في حربها مع ألمانيا، اغتنم الجمهوريون الفرصة وأعلنوا الجمهورية الثالثة في 4 سبتمبر 1870، واعتقد أن هذا تاريخ شهر مناسب لاستعادة الجمهورية الثانية لليمن.


تمثال فرنسي بنيويورك

هل يمكننا اعتبار ذلك الصراع الفرنسي مشابهاً لصراع الجمهوريين والإماميين طيلة أربعة وستين عاماً منذ إعلان الجمهورية العربية اليمنية، وهل تشبه سلوكيات الملكيين هناك حركات الهاشمية السياسية في اليمن؟! خاصة إذا ما علمنا أنه وبالرغم من إعلان الجمهورية الفرنسية الثالثة، كان للملكيين حضور طاغٍ في البرلمان، لكن الجمهوريين استغلوا انقسامهم حول هوية الملك الجديد، وخاضوا معركة سياسية وفكرية شرسة حتى تمكنوا في عام 1875 من إقرار القوانين الدستورية للجمهورية الثالثة بفارق صوت واحد فقط في البرلمان! وبتثبيت الجمهورية الثالثة، هُزم الفكر الملكي الكهنوتي في فرنسا إلى غير رجعة، وجرى عزل الكنيسة عن السياسة نهائياً، وتطهير عقول الأجيال من خرافات الاصطفاء والحق الإلهي، يجب أن نستلهم دروس التاريخ في معركتنا.
وبالعودة إلى التحالف الأمريكي الفرنسي، وتتويجاً لهذا الانتصار الطويل والمضني على الكهنوت في فرنسا، وعلى الهيمنة البريطانية والعبودية في أمريكا، وبمناسبة مئوية الاستقلال وتوطيدًا للصداقة بين البلدين، قرر الفرنسيون إهداء الولايات المتحدة الأمريكية "تمثال الحرية"، حيث تم إنشاؤه في فرنسا ونقله إلى أمريكا ليتم افتتاحه رسمياً في 28 أكتوبر 1886م.


أغلال وسلاسل مكسورة

وفي رمزيةٍ واضحة وعميقة لا تزال للأغلال والسلاسل المكسورة تحت قدمي التمثال دلالتها على أهمية كسر أغلال الهيمنة، والعنصرية، والكهنوت معًا، وإذا كان الأمريكيون قد عانوا من الهيمنة والعبودية والعنصرية، بينما عانى الفرنسيون من الكهنوت وصراعاته، فإن اليمنيين حاليا يعانون من هذه المصائب مجتمعة؛ ذراع حوثي يمثل الهيمنة الإيرانية، وكهنوت امامي، وعنصرية سلالية غير مسبوقة، ما جعل الحكومة الشرعية في مواجهة مفتوحة مع هذه الآفات منذ اثني عشر عاما، وفي سبيل ذلك تحالفت مع المملكة العربية السعودية، التي قدمت لها -ولا تزال- مختلف أنواع الدعم المالي والإداري والعسكري، و هو ما يجب أن تتعامل معه الحكومة بحس وطني كبير وتستغله الاستغلال الأمثل لإعادة الدولة ومؤسساتها والسيادة الوطنية بكافة أركانها، وقد بدأت تخطو نحو هذا الاتجاه بجدية غير مسبوقة، تجسدت في البيان الأخير والحاسم لرئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي الذي أعلن فيه إعادة تصدير النفط والاستعداد للمعركة الوطنية الأخيرة ودحر المشروع الإيراني المتمثل في الانقلاب الحوثي، وهو ما أيدته قيادة المملكة العربية السعودية، خاصة بعد الإعلان الحوثي عن خنق مضيق باب المندب واستهداف السفن التجارية من وإلى موانئ المملكة، حيث أعلنت مواجهة ذلك بحزم وقوة وفق القانون الدولي، كما أكدت دعم حكومة الجمهورية اليمنية في كل الخطوات التي تتخذها لإعادة بسط سيطرتها على كل اليمن..

والخلاصة:

وفي رسالة للخارج والداخل معاً:
على الدول الغربية أن تستذكر أنها عانت من كل ما سبق وبالتالي تقدم دعمها الجاد للحكومة اليمنية، وعلينا جميعاً، وحتى لا يأتي يوم نتكلم فيه الفارسية بدل العربية، يجب أن ندرك أن التحالفات السياسية والعسكرية ليست جريمة ولا عيبًا ولا منقصة للسيادة، وخاصة عندما تكون موجهة لحماية وجود الدولة وهويتها ضد ميليشيات مسلحة مدعومة خارجياً، فكما لم يخجل جورج واشنطن من طلب المدد العسكري والمالي من فرنسا لإنقاذ الثورة الأمريكية، لا يمكن لليمنيين الحفاظ على نظامهم الجمهوري وعروبتهم في وجه الهيمنة الإيرانية والكهنوت والعنصرية الحوثية، دون عمقهم الاستراتيجي الطبيعي المتمثل في التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وهنا لا بد أن ننتصر مع الإرادة كما انتصر الآخرون في الجزء المقابل من الكرة الأرضية..