تاريخ النشر: 24.07.2026 | 07:44 GMT
يستعيد الروس في 24 يوليو سيرة الأميرة أولغا، أول حاكمة من أسرة روريك تعتنق المسيحية، والتي تحولت من شخصية سياسية مثيرة للجدل إلى قديسة في الذاكرة الروسية.
قبل أربعينيات القرن العاشر، لا تحفظ المصادر سوى أسماء نادرة لنساء روسيات، أغلبها شبه أسطوري. أما أولغا فحالة مختلفة تماما، فهي أول امرأة روسية تُعلن قديسة، وأول مسيحية معروفة في الأسرة الحاكمة، وواحدة من أكثر شخصيات روسيا القديمة تأثيرا، وإن اختلطت سيرتها بكثير من الأساطير.
تظل مسألة أصلها من أكثر نقاط سيرتها جدلا، إذ تذكر "قصة السنوات الماضية"، التي كُتبت في بداية القرن الثاني عشر، أنها كانت من بسكوف، وأن الأمير إيغور، ابن روريك وخليفته، التقاها في إحدى رحلاته وتزوجها، لكن الرواية كُتبت بعد الأحداث بقرنين تقريبا، ما يرجح احتواءها عناصر رمزية. أما اسمها فيرتبط غالبا بالاسم الإسكندنافي "هيلغا" بمعنى المقدسة، وهو ما دفع باحثين إلى ترجيح أصل فارانغي/إسكندنافي لها، فيما يرجّح آخرون أنها من عائلة سلافية محلية.
تزوجت أولغا من إيغور نحو عام 903م، وأنجبت منه ابنهما الوحيد سفياتوسلاف الذي أصبح لاحقا أحد أشهر أمراء روس القديمة. ولم يكن دور زوجات الأمراء آنذاك مقتصرا على الحياة العائلية، بل كنّ يشاركن في إدارة الممتلكات أثناء غياب الأمير في الحملات العسكرية، وهو ما مهّد لانتقال أولغا بعد وفاة زوجها من موقع الزوجة إلى موقع الحاكمة الفعلية لكييف.
نصب تذكاري للأميرة والقديسة أولغا مع ابنها الأمير فلاديمير سفياتوسلافيتش. -بسكوف- روسيا / Gettyimages.ruتبقى قصة انتقام أولغا من قبيلة الدريفليان أشهر فصول سيرتها. ففي عام 945م، وأثناء جمع الجزية، طالب إيغور الدريفليان بأموال إضافية رغم حصوله على ما يريد، فرأوا في ذلك ظلما فقتلوه بربطه بين شجرتين وتمزيق جسده. وإذ كان ابنه لا يزال طفلا، أصبحت أولغا الوصية على العرش والحاكمة الفعلية.
حاول الدريفليان تفادي الانتقام فأرسلوا وفدا يقترح عليها الزواج من أميرهم مال، فاستقبلتهم بترحاب ظاهري ثم أمرت بدفنهم أحياء. وحين أرسلوا وفدا ثانيا من كبار رجالهم، أحرقتهم داخل حمّام أُعد لاستقبالهم، ثم توجهت إلى عاصمتهم إيسكوروستين بحجة إقامة مأدبة جنائزية على قبر زوجها، فهاجم جنودها المدينة بعدما ثمل أهلها. وتقول الرواية الأشهر إنها طلبت من الناجين جزية رمزية من الحمام والعصافير، فربطت قطعا مشتعلة بأرجلها وأطلقتها، فعادت وأشعلت النيران في المدينة.
يرى المؤرخون أن القصة تحمل سمات الملاحم المنتشرة في أوروبا، لكن معظمهم لا يشكك في جوهر الحدث: أن أولغا انتقمت من الدريفليان وأعادت إخضاعهم لكييف، فيما قد تكون التفاصيل أضيفت لاحقا لرسم صورة الحاكمة الذكية والقاسية معا، في خطوة لتثبيت سلطتها ومنع تمرد القبائل. وبعدها تحولت صورتها من المحاربة المنتقمة إلى الحاكمة المصلحة التي نظمت جمع الجزية وحددت أماكن وطرقا ثابتة لدفعها.
بعد أن ثبّتت سلطتها، دخلت أولغا مرحلة جديدة ارتبطت بالسياسة الخارجية والدين، تُوّجت برحلتها إلى القسطنطينية نحو عام 957م لتوطيد العلاقات مع بيزنطة. وبحسب المصادر الروسية، استُقبلت في بلاط الإمبراطور قسطنطين السابع بورفيروجينيتوس، الذي ذكر بنفسه في كتابه "في المراسم" استقبال وفد روسي تقوده امرأة حاكمة يرجح كثير من الباحثين أنها أولغا. وتذكر الرواية أن الإمبراطور أعجب بحكمتها وأراد الزواج منها، فتحايلت عليه بطلب تعميدها أولا، ثم أخبرته بعد المعمودية أن الزواج بات مستحيلا لأنه أصبح عرّابها المسيحي، وإن كان المؤرخون يرون القصة أدبية أكثر منها واقعية.
اعتنقت أولغا المسيحية واتخذت اسم هيلينا تيمنا بوالدة قسطنطين الكبير، وإن ظل مكان وزمان معموديتها موضع خلاف، بين من يرجح القسطنطينية ومن يرى أنها اعتنقت المسيحية قبل ذلك في كييف. والمهم تاريخيا أنها أصبحت أول شخصية معروفة من الأسرة الحاكمة في روس الكييفية تعتنق المسيحية علنا. ومع ذلك، لم تتحول روس الكييفية إلى دولة مسيحية في عهدها، إذ ظل ابنها سفياتوسلاف وثنيا متمسكا بتقاليد المحاربين ورفض اعتناق دين قد يضعف موقعه أمامهم. لكن أولغا واصلت دعم المسيحية وبناء الكنائس، ما جعلها لاحقا تُعتبر "الممهِّدة" لتحول روسيا إلى المسيحية.
من احتفالات يوم ذكرى الأميرة والقديسة أولغا في مدينة بسكوف الروسية.- صورة أرشيفية / Legion-Mediaتوفيت أولغا عام 969م، ولم تُعلن قديسة فورا، إذ احتاج الأمر إلى قرون حتى كرّمتها الكنيسة الأرثوذكسية الروسية رسميا عام 1547م، ومنحتها لقب "المعادلة للرسل" ، الذي يُمنح لمن كان له دور استثنائي في نشر المسيحية. والمفارقة أن حفيدها فلاديمير هو من اتخذ القرار السياسي الكبير باعتناق المسيحية وجعلها دين الدولة عام 988م، لكن الكنيسة ترى أن أولغا مهدت الطريق لهذا التحول.
تظل أولغا من أكثر شخصيات روسيا القديمة تعقيدا، إذ تظهر بصورتين متناقضتين ظاهريا: امرأة قاسية لا ترحم أعداءها، وحاكمة حكيمة وقديسة مهدت لاعتناق روس المسيحية، وهذا التناقض نفسه أحد أسباب استمرار الاهتمام بها حتى اليوم. ويرى الباحثون أن تصرفاتها ينبغي أن تُفهم ضمن سياق القرن العاشر لا وفق معايير العصر الحديث، ففي مجتمعات القرون الوسطى المبكرة كان الانتقام من قتل الحاكم جزءا من منطق السلطة واستعادة الهيبة. أما الكنيسة فلم تكرّمها بسبب أعمال الانتقام، بل بسبب دورها في إدخال المسيحية إلى الأسرة الحاكمة وتأثيرها السياسي والديني اللاحق.
ويرى مؤرخون معاصرون أن أهم إنجازاتها لم يكن الانتقام من الدريفليان، بل إصلاحاتها الإدارية، إذ وضعت نظاما أكثر تنظيما لجمع الجزية عُرف بـ"الدروس والمقامات"، أي مقادير محددة للضرائب ومراكز إدارية لجمعها، وهي من المراحل الأولى في بناء جهاز الدولة في روس الكييفية.
وتحولت أولغا إلى رمز ثقافي متعدد الأوجه: امرأة حكيمة تحمل الصليب في الفن الديني، وحاكمة قوية سيطرت على دولة يغلب عليها الرجال في الأدب والتاريخ، ونموذج للمرأة التي بلغت السلطة في العصور الوسطى في الثقافة الحديثة، فيما تحمل مدن روسية، وبسكوف تحديدا، آثارا وتقاليد محلية مرتبطة باسمها.
يمكن القول في الخلاصة إن أولغا كانت شخصية انتقالية بين عالمين: عالم روس القديم القائم على القوة القبلية والوثنية والانتقام، وعالم الدولة المنظمة المرتبط بالكتابة والإدارة والمسيحية. ولهذا بقيت حاضرة في الذاكرة التاريخية الروسية، ليس فقط لأنها أول امرأة تحكم كييف، بل لأنها مثّلت مرحلة التحول التي سبقت ولادة روسيا المسيحية.
المصدر: Historicus.ru