آخر الأخبار
هيئة الأمم المتحدة للمرأة تحذر من تصاعد العنف ضد النساء في مدينة الأبيض السودانية   •   هيئة الأمم المتحدة للمرأة تحذر من تصاعد العنف ضد النساء في مدينة الأبيض السودانية   •   أصالة تحسم حقيقة انفصالها عن فائق حسن: «لا يوجد دخان من دون نار»   •   رئيس مجلس الشورى يعزي المهندس الشيخ عبدالله أحمد بقشان في وفاة شقيقه   •   محافظ أبين يعتذر لمحافظ حضرموت عن حادثة طريق أحور ويؤكد: أبناء أبين وحضرموت يدٌ واحدة والجناة سيُلاحقون   •   سفيرا السعودية واليمن يناقشان مع الخارجية الروسية تداعيات التصعيد في الخليج والبحر الأحمر   •   سهم أسترازينيكا يتكبد أكبر خسائر يومية منذ 2020 عقب فشل عقار   •   رودري من منصة التتويج بكأس العالم إلى غرفة العمليات   •   صعود الأصول المشفرة بختام التداولات مدعومة بتدفقات صناديق البيتكوين   •   وزارة المياه تحذر من المخاطر البيئية جراء استهداف ميليشيات الحوثي للسفن في البحر الأحمر   •  
أخبار محلية

وصية زوج لزوجته لتجهيزه وقضاء ديونه مؤرخة في عدن(13 شهر جماد الأول 1084هـ/ الموافق 26 أغسطس 1673م)

عدن الغد- محليات 24/07/2026 17:24 313 مشاهدة
وصية زوج لزوجته لتجهيزه وقضاء ديونه
مؤرخة في عدن(13 شهر جماد الأول 1084هـ/ الموافق 26 أغسطس 1673م)

نص الوثيقة:

الحمد لله وحده

وبعد فأنه لما توفى معوضه بن محمد الحضرمي بعدن المحروس، أسند وصيته الى زوجته هدية بنت معوضة الجعدي القاطنة بعدن في أمور تجهيزه وقضاء ديونه الثابتة عليه، وكلت الحرة المذكورة علي بن موجر اليافعي في بيع ما يملكه معوضة المذكور من الأرض ببلد الفردة بجهة الظاهر، من ساقي وضاحي، أقامته مقام نفسها ورضيت بقوله وفعله، يبيع عنها ذلك بحسن نظره ومعرفته بيعاً باتاً، وكالة مفوضة جامعة مانعة، وإذا باع أرسل بالثمن مع من يثق به بنظر الشرع الشريف. وعلى الوكيل المذكور التحري والجهد والاستقصاء في الثمن حسب الجهد والطاقة وبذلك وقع الاشهاد والله خير الشاهدين.

في 13 شهر جماد الأول، سنة 1084هـ.

شهد بذلك: احمد عوض البعسي، علي سعيد الرصاص البعسي، عامر بن احمد البعسي، احمد بن علي البعسي، احمد ناصر حيدره.

شهد بذلك: صلاح ضباعي البعسي، شهد بذلك سعيد ابن علي الحالمي، وسمع الوكالة من الحرمة، شهد بذلك ناصر ابن موجر، وشهد بذلك سعد ابن موجر.

وفي أعلى الوثية ورد النص التالي:

الحمد لله

ثبت لدي اسناد الوصية المذكورة لمن ذكر والمتوفى رحمه الله وصحة الوكالة ... المذكورة لعلي موجرفي بيع ما ذكر.

وكتبه الفقير إلى الله عمر بن علوي بن حسن الحسيني

نائب الشريعة المطهرة بعدن

مع الختم

التعليق على الوثيقة:

في البدء، أتوجه بجزيل الشكر والامتنان للأخ الفاضل: الشيخ عبدالله صالح محمد عسكر موجر البكري، على تعاونه الكريم في إمدادنا بالعديد من تلك الوثائق التاريخية الهامة مما يزخر به أرشيفهم الأسري من الوثائق التاريخية المهمة ذات الصلة بتاريخ يافع، والتي سنتناول دراستها ونشرها تباعًا لكثرتها وأهميتها التاريخية، ومنها هذه الوثيقة التي تتصل بسلفه علي بن عبدالله بن محمد الفقيه، المكنى موجر البكري اليافعي، الذي اختير وكيلاً عن زوجة المتوفى لبيع ممتلكاته في بلدة الفردة، بحكم المكانة الاجتماعية التي كان يتمتع بها. فهو سليل أسرة عريقة عُرف منها رجال كان لهم باعٌ في الفقه والتدوين، كما يتضح من خلال العديد من الوثائق، ولا سيما وثائق القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين، وهي الفترة التي تحتاج لنبش أحداثها مما بقي من الوثائق المحفوظة لدى الأسر اليافعية.

ومن تلك الوثائق هذه الوثيقة التاريخية النادرة، التي تعود إلى القرن السابع عشر الميلادي، وتحديدًا إلى 13 جمادى الأولى سنة 1084هـ، الموافق 26 أغسطس/آب 1673م، إلى جانب غيرها من الوثائق التاريخية المهمة من أرشيف أخواله

وتمثل هذه الوثيقة مصدراً أصيلاً لدراسة التاريخ الاجتماعي والقضائي والاقتصادي لمدينة عدن وبلاد يافع خلال تلك الفترة. وتكتسب الوثيقة أهميتها من كونها وثيقة شرعية مكتملة العناصر، تحمل تصديق نائب الشريعة في عدن وختمه، وتتناول قضية تتعلق بتنفيذ وصية متوفى والتصرف في أملاكه وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.

وتكتسب الوثيقة أهميتها من عدة اعتبارات؛ فهي أولاً وثيقة أصلية معاصرة للحدث، كتبت وفق الصياغة الشرعية المتبعة في ذلك العصر، وحملت في أعلاها إثباتاً من كاتبها عمر بن علوي بن حسن الحسيني، الذي عرف نفسه بأنه نائب الشريعة المطهرة بعدن، مقروناً بختمه الرسمي. ويعد هذا النص مصدراً مهماً لدراسة التنظيم القضائي في عدن، إذ يثبت وجود مؤسسة قضائية رسمية تتولى الإشراف على توثيق الوصايا والوكالات والعقود، كما يقدم اسماً موثقاً لأحد رجال القضاء الذين تولوا هذا المنصب في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وهي معلومة ذات أهمية خاصة للباحثين في ظل قلة المصادر التي تناولت أسماء القضاة ونواب الشريعة في عدن خلال تلك المرحلة.

ويتناول موضوع الوثيقة تنفيذ وصية المرحوم معوضة بن محمد الحضرمي، الذي توفي في عدن المحروسة، وهي التسمية التي ترد في عدد من الوثائق التاريخية للدلالة على مكانة المدينة السياسية والإدارية. وقد أوصى قبل وفاته بأن تتولى زوجته هدية بنت معوضة الجعدي الإشراف على تجهيزه وسداد ديونه الثابتة، وهو ما يعكس حرص المجتمع آنذاك على إبراء ذمة المتوفى قبل تقسيم تركته، امتثالاً للأحكام الشرعية التي تقدم سداد الديون وتنفيذ الوصايا على توزيع الميراث.

وتكشف الوثيقة عن الثقة الكبيرة التي منحها الزوج لزوجته، إذ أسند إليها مسؤولية تنفيذ وصيته، وهو أمر يدل على مكانتها داخل الأسرة، وعلى أهلية المرأة في تحمل المسؤوليات المالية والشرعية متى كانت موضع ثقة. كما يبرز النص جانباً مهماً من الحقوق التي كفلها الفقه الإسلامي للمرأة، حيث مارست حقها الكامل في التصرف القانوني، فأبرمت وكالة شرعية بإرادتها الحرة دون وصاية من أحد، واختارت بنفسها الشخص الذي رأت فيه الأمانة والكفاءة.

حيث وكَّلت علي بن موجر اليافعي لبيع ما يملكه زوجها من أراضٍ في بلدة الفردة بجهة الظاهر، وهي من قرى يافع التاريخية (مديرية الحد حالياً). ويبدو من سياق الوثيقة أن الزوجة كانت تقيم إقامة دائمة في عدن، بينما تقع ممتلكات زوجها في الفردة بيافع، الأمر الذي جعل انتقالها إلى هناك أمراً بالغ المشقة، خاصة في زمن لم تكن فيه وسائل النقل الحديثة، وكانت الرحلات تتم سيراً على الأقدام أو على ظهور الدواب، وقد تستغرق أياماً طويلة عبر طرق جبلية وعرة. لذلك لجأت إلى الحل العملي المتمثل في توكيل شخص من أبناء المنطقة يعرف الأرض وأهلها وأسعارها.

ولا شك أن اختيار علي بن موجر لم يكن اختياراً عشوائياً، وليس فقط لأنه ينتمي إلى منطقة بني بكر المجاورة للفردة، ويعرف حدود الأراضي وأصحاب الأملاك وقيمتها الحقيقية، وهو ما يحقق مصلحة الورثة ويمنع الغبن أو التلاعب في البيع. بل أيضاً لمكانته الاجتماعية التي كان يتمتع بها، المشار إليها سلفاً ، إذ لم تكن الوكالة تمنح إلا لمن عُرف بالأمانة والخبرة.

وتذكر الوثيقة أن البيع يشمل الأرض "من ساقي وضاحي"، وهي عبارة فقهية وزراعية ذات دلالة مهمة، إذ يقصد بها بيع جميع الأراضي الزراعية بمختلف أنواعها، سواء كانت الأراضي الساقية التي تُروى بالمياه وتزرع بصورة منتظمة، أو الأراضي الضاحية التي تعتمد على مياه الأمطار أو الزراعة الموسمية. وتؤكد هذه العبارة أن البيع يشمل كامل الملك الزراعي دون استثناء، وهو ما يعكس الدقة التي كانت تتميز بها الصياغة القانونية في الوثائق الشرعية القديمة.

كما تضمنت الوكالة شروطاً دقيقة تكشف عن الوعي القانوني والاقتصادي لدى المرأة الموكلة، فقد نصت على أن يكون البيع بحسن نظر الوكيل ومعرفته، وأن يتم بيعاً باتاً لا رجعة فيه، وأن تكون الوكالة مفوضة جامعة مانعة، وهي من أقوى صيغ الوكالة في الفقه الإسلامي، إذ تمنح الوكيل صلاحيات كاملة في حدود ما نصت عليه الوكالة، وتمنع غيره من التدخل في التصرف.

ولم تكتف بذلك، بل اشترطت أن يرسل الوكيل ثمن البيع مع شخص موثوق به بنظر الشرع الشريف، وهو ما يعكس الحرص على سلامة الأموال أثناء انتقالها بين يافع وعدن، ويشير إلى أن نقل الأموال في ذلك العصر كان يتم بواسطة أفراد موثوقين يشهد لهم بالأمانة، تحت رقابة القضاء الشرعي.

وتبرز الوثيقة جانباً اقتصادياً مهماً عندما تلزم الوكيل بأن يبذل التحري والجهد والاستقصاء في الثمن حسب الجهد والطاقة، وهي عبارة تؤكد أن الوكيل ليس مجرد ناقل للإرادة، بل هو مسؤول شرعاً عن تحقيق أفضل سعر ممكن وعدم التفريط بحقوق أصحاب المال. وهذا النص يمثل صورة مبكرة لمبدأ الأمانة والمسؤولية الائتمانية في إدارة الأموال، ويؤكد أن الفقه الإسلامي وضع ضوابط دقيقة لحماية الحقوق المالية.

ومن الجوانب اللافتة أيضاً كثرة الشهود الذين حضروا توثيق هذه الوكالة، فقد بلغ عددهم تسعة شهود، من بينهم عدد من أبناء آل البعسي وآخرون من آل موجر والحالمي، وهو عدد كبير نسبياً مقارنة بطبيعة التصرف. ويعكس ذلك أهمية توثيق المعاملات المالية في ذلك العصر، والحرص على منع أي نزاع مستقبلي، كما يكشف عن المكانة التي كانت تحظى بها الشهادة في المجتمع باعتبارها إحدى وسائل حفظ الحقوق.

كما تقدم الوثيقة معلومات اجتماعية مهمة، إذ حفظت أسماء عدد من الشخصيات التي كانت حية في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وهو ما يجعلها مصدراً مهماً لدراسة الأسر والقبائل والعلاقات الاجتماعية في عدن ويافع، فضلاً عن إمكانية الاستفادة منها في تتبع الامتداد التاريخي لبعض العائلات المعروفة حتى اليوم.

وتكشف الوثيقة كذلك عن عمق الروابط بين عدن ويافع منذ قرون، فالمتوفى حضرمي الأصل يقيم في عدن، بينما يمتلك أراضي في يافع، والوكيل يافعي، والشهود من أبناء مناطق متعددة، وهو ما يعكس شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق الريفية وعدن التي كانت وما زالت تستقطب سكاناً من مختلف المناطق، مع احتفاظهم بأملاكهم وروابطهم في مناطقهم الأصلية.

وخلاصة القول، فإن أهمية هذه الوثيقة لا تقتصر على إثبات وكالة لبيع أرض، وإنما تتجاوز ذلك لتقدم صورة متكاملة عن التنظيم القضائي، وتطبيقات الفقه الإسلامي، وحقوق المرأة، وإدارة التركات، وأساليب توثيق العقود، والحياة الاقتصادية، والعلاقات بين عدن ويافع في القرن السابع عشر الميلادي. ومن ثم فإنها تمثل مصدراً أولياً بالغ الأهمية للباحثين في تاريخ عدن، وتاريخ يافع، وتاريخ القضاء الإسلامي في جنوب الجزيرة العربية، كما تسهم في سد جانب من النقص الذي تعاني منه المصادر المتعلقة بهذه المرحلة المبكرة من تاريخ المنطقة.