دخلت الأزمة اليمنية مرحلة جديدة من التصعيد، بعد أن نفذت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية عملية عسكرية استهدفت أهدافًا عسكرية تابعة للمليشيات الحوثية في محافظة الحديدة، وذلك عقب سلسلة هجمات بحرية تبنتها المليشيات ضد سفن تجارية وناقلات نفط سعودية في البحر الأحمر، في تطور أعاد المخاوف من انزلاق اليمن نحو مواجهة عسكرية واسعة بعد سنوات من التهدئة النسبية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت حذرت فيه وكالة رويترز، نقلًا عن مسؤولين يمنيين ودبلوماسيين غربيين ومحللين، من أن اليمن يقترب تدريجيًا من استئناف الحرب، في ظل تصاعد العمليات العسكرية على خطوط التماس، واستمرار الهجمات البحرية التي تهدد أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
التحالف: رد عسكري متناسب على تهديدات الملاحة الدولية
وفي بيان رسمي، أعلنت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية تنفيذ عملية عسكرية وصفتها بـ"المتناسبة"، استهدفت أهدافًا عسكرية مشروعة تابعة للمليشيات الحوثية في محافظة الحديدة.
وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي إن العملية جاءت ردًا على الهجمات التي شنتها المليشيات الحوثية ضد السفن التجارية في البحر الأحمر، مؤكدًا أن تلك الاعتداءات تضاف إلى سجل الجماعة في تهديد أمن الملاحة الدولية وارتكاب أعمال إرهابية تستهدف أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأوضح المالكي أن الضربات ركزت على أهداف عسكرية مرتبطة مباشرة بالقدرات المستخدمة في تهديد السفن، وتم تنفيذها وفق أحكام القانون الدولي الإنساني، مع الالتزام بمبدأي الضرورة والتناسب، واتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لتجنب أي أضرار بالمدنيين أو البنية التحتية المدنية.
وشدد على أن ميناء الحديدة لم يكن هدفًا للعملية، مؤكدًا أن موانئ الحديدة ورأس عيسى والصليف لا تزال مفتوحة أمام السفن التجارية، وتستقبل المواد الغذائية والوقود ومواد البناء، كما أشار إلى استمرار تشغيل الرحلات الجوية، معتبرًا أن المليشيات الحوثية هي من تعرقل استئناف الرحلات المنتظمة من مطار صنعاء.
وأكد أن التحالف سيواصل اتخاذ جميع الإجراءات العسكرية اللازمة لحماية الملاحة الدولية وسفن التجارة العالمية، وأن أي اعتداءات جديدة ستواجه برد مباشر.
الحكومة اليمنية: عملية الرد لحماية الملاحة ومكافحة الإرهاب
بدورها، أيدت الحكومة اليمنية العملية العسكرية، مؤكدة أن الرد جاء في إطار الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة الدولية وأمن الممرات البحرية. وقالت الحكومة، في بيان رسمي، إنها تدين بأشد العبارات الهجوم الإرهابي الذي شنته المليشيات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر، معتبرة أن هذا التصعيد يعكس إصرار الجماعة على تقويض جهود التهدئة وإقحام اليمن في صراعات تخدم أجندات خارجية.
وأكد البيان أن عملية الرد العسكري اتسمت بالدقة العالية، واقتصرت على أهداف عسكرية مشروعة مرتبطة بالتهديدات الإرهابية للمليشيات الحوثية، مع الالتزام الكامل بأحكام القانون الدولي، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والأعيان المدنية.
كما شددت الحكومة على أن جميع الموانئ اليمنية، بما فيها ميناء الحديدة، تواصل استقبال السفن التجارية والإمدادات الإنسانية بصورة اعتيادية، ولم تتعرض لأي أضرار، بما يعكس حرص التحالف على حماية البنية التحتية المدنية وضمان استمرار تدفق السلع والوقود والمواد الغذائية.
وحملت الحكومة المليشيات الحوثية المسؤولية الكاملة عن التداعيات الإنسانية والاقتصادية والأمنية الناتجة عن استمرار استهداف السفن التجارية، مؤكدة أن الجماعة تواصل توظيف البحر الأحمر وباب المندب لخدمة أجندة النظام الإيراني والضغط على المجتمعين الإقليمي والدولي.
كما جددت الحكومة التزامها، بالتنسيق مع التحالف والشركاء الدوليين، باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية السيادة اليمنية وتأمين الملاحة الدولية وضمان استمرار عمل الموانئ اليمنية.
السعودية: السلام خيارنا.. لكن أمن الملاحة لن يكون محل مساومة
وفي السياق ذاته، أكد السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر أن المملكة لا تزال تدعم جميع جهود السلام، وتساند مساعي المبعوث الأممي للوصول إلى حل سياسي شامل ينهي معاناة اليمنيين.
وقال إن المليشيات الحوثية اختارت طريق التصعيد والعنف بدلًا من التهدئة، وحولت اليمن إلى أداة بيد أطراف خارجية لتحقيق مصالحها على حساب الشعب اليمني وأمن المنطقة.
وأضاف أن المملكة ستواصل دعم تشغيل مطار صنعاء أمام الرحلات التجارية، واستمرار دخول السفن إلى موانئ الحديدة لتلبية احتياجات اليمنيين، في الوقت الذي تستمر فيه المليشيات الحوثية في استهداف السفن التجارية وتهديد أمن الملاحة الدولية.
وأكد أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالشعارات أو بالمناورات السياسية، وإنما بإرادة صادقة تضع مصلحة اليمن وشعبه فوق أي اعتبارات أخرى.
رويترز: اليمن يقترب من العودة إلى الحرب
وفي تقرير موسع، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين يمنيين ودبلوماسيين غربيين ومحللين أن اليمن يقترب تدريجيًا من العودة إلى الحرب، بعد سنوات من الهدوء النسبي. وأفادت الوكالة بأن الحكومة اليمنية والمليشيات الحوثية عززتا وجودهما العسكري على امتداد خطوط التماس، من الساحل الغربي وحتى الحدود السعودية، في مؤشر على ارتفاع مستوى الجاهزية العسكرية. كما نقلت عن دبلوماسيين غربيين أن فرص نجاح الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة وسلطنة عمان أصبحت أكثر صعوبة مع استمرار التصعيد، بينما وصف الباحث اليمني براء شيبان ما يجري بأنه "أخطر استعدادات عسكرية منذ عام 2022". وأضاف التقرير أن الهجمات البحرية الأخيرة، بما فيها استهداف ناقلتي نفط سعوديتين وإعلان المليشيات الحوثية فرض ما سمته "حظرًا بحريًا" على السعودية، تمثل تحولًا نوعيًا قد يدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من المواجهة.
مخاوف دولية من اتساع دائرة الصراع
يرى مراقبون أن استهداف السفن التجارية لم يعد يمثل تهديدًا للملاحة الدولية فحسب، بل أصبح يمس أمن الطاقة العالمي، في ظل الموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية وإمدادات النفط. وتحذر الأوساط الدبلوماسية من أن استمرار الهجمات البحرية قد يدفع إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية، خصوصًا إذا استمرت المليشيات الحوثية في استهداف السفن التجارية أو المنشآت الحيوية، وهو ما قد ينسف مسار التهدئة الذي استمر لأكثر من ثلاث سنوات.
بين الردع العسكري وفرص السلام
تكشف التطورات الأخيرة عن معادلة جديدة في المشهد اليمني، تقوم على الجمع بين استمرار الجهود السياسية والدبلوماسية لإنهاء الحرب، وبين استعداد التحالف والحكومة الشرعية لاستخدام القوة العسكرية لحماية الملاحة الدولية والرد على أي تهديد يمس أمن المنطقة. وفي المقابل، يبدو أن استمرار المليشيات الحوثية في تصعيد هجماتها البحرية يضيق هامش الحلول السياسية، ويزيد من احتمالات انزلاق اليمن إلى مواجهة أوسع، في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية للحيلولة دون عودة الحرب إلى مستوياتها السابقة. وبين رسائل الردع العسكرية، والمساعي الأممية لإحياء عملية السلام، يقف اليمن أمام منعطف بالغ الحساسية، ستكون نتائجه مرهونة بقدرة الأطراف على احتواء التصعيد، أو استمرار دوامة المواجهة التي تهدد أمن اليمن والمنطقة والملاحة الدولية.