كلما اشتعلت المنطقة عاد اليمن ليدفع الفاتورة.. ومع كل مواجهة إقليمية أو دولية، ترتفع الشعارات ذاتها، وكأنها أُعدّت لتُرفع عند الحاجة فقط. طرف يصدح بشعار “استعادة الدولة”، وطرف آخر يرفع راية “رفع الحصار ووقف التدخل الخارجي”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين كانت هذه الشعارات عندما كان اليمنيون يُقتلون ويُهجَّرون، وعندما انهارت مؤسسات الدولة، وتجويع الشعب أصبح واقعًا يوميًا؟
المؤلم أن هذه الشعارات تبدو وكأنها تستيقظ فقط عندما تُهدَّد مصالح القوى الإقليمية والدولية، لا عندما تُنتهك سيادة اليمن أو تُراق دماء أبنائه. وكأن الوطن لم يعد هو القضية، بل أصبح مجرد ورقة في صراع أكبر من حدوده.
على مدى سنوات الحرب، تشكلت عشرات التشكيلات العسكرية، وتدفقت الأموال والسلاح، وسقط آلاف الشباب بين قتيل وجريح، وكل طرف ادعى أنه يقاتل من أجل اليمن. لكن بعد كل هذه السنوات، ماذا كانت النتيجة؟ دولة أكثر ضعفًا، وشعب أكثر فقرًا، ووطن أكثر انقسامًا.
لقد تحولت معركة “استعادة الدولة” عند البعض إلى شعار سياسي، كما تحولت شعارات “المقاومة” و”مواجهة التدخل الخارجي” عند آخرين إلى مبررات لاستمرار الحرب. وبين هذه الشعارات المتناقضة، ظل اليمني البسيط هو الضحية الوحيدة التي لا تجد من يتحدث باسمها.
لا رابح في هذه الحرب سوى من يراكم النفوذ ويعزز مصالحه، أما الخاسر فهو اليمن بكل ما فيه: الإنسان، والأرض، والاقتصاد، والمستقبل. وكلما اشتد الصراع بين القوى المتنافسة، ازدادت معاناة اليمنيين واتسعت دائرة الخراب.
إن أخطر ما أصاب اليمن ليس السلاح وحده، بل تحويل القضية الوطنية إلى ملف تتقاسمه المشاريع الإقليمية، حتى أصبح القرار اليمني أسيرًا لحسابات الآخرين، وأصبح الدم اليمني وقودًا لمعارك لا يملك اليمنيون قرار إشعالها ولا قرار إيقافها.
ويبقى السؤال الذي يطارد الجميع: إلى متى سيظل اليمنيون يُستنزفون باسم شعارات لا تنعكس على حياتهم أمنًا ولا كرامة ولا دولة؟ ومتى يدرك الجميع أن استعادة الدولة لا تكون بالولاءات الخارجية، ولا بتعدد المليشيات، ولا باستمرار الحرب، وإنما بإرادة وطنية خالصة تجعل اليمن أولًا… وأخيرًا.