لم يعد اليمن يحتمل المزيد من الانتظار، ولم يعد الشعب قادراً على تقبّل سياسة إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها. فبعد سنوات طويلة من الحرب والاستنزاف والتضحيات، تقف قيادة الشرعية اليوم أمام أخطر امتحان في تاريخها، امتحان لا يقاس بالتصريحات ولا باللقاءات الدبلوماسية، بل بالفعل والقرار والإرادة.
إن معيار الوطنية اليوم لم يعد شعاراً يُرفع، ولا خطاباً يُلقى، بل موقفاً عملياً يضع مصلحة الوطن فوق كل الحسابات، ويقدّم استعادة الدولة على أي اعتبارات سياسية أو ضغوط خارجية. فالتاريخ لا يخلّد المترددين، ولا يمنح المجد لمن يؤجلون القرارات المصيرية.
وما تشهده الساحة اليمنية من تطورات ميدانية وتغيرات سياسية وعسكرية يضع قيادة الشرعية أمام اختبار وطني وتاريخي، يُقاس بمدى قدرتها على ترجمة هذه المتغيرات إلى خطوات عملية تعزز مشروع استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، الأمر الذي يتطلب عودة من بقي من قيادة الشرعية في الخارج إلى الداخل.
إن عودة رئيس مجلس القيادة الرئاسي ومن بقي من أعضاء الحكومة وكبار المسؤولين إلى الداخل لم تعد خياراً سياسياً، بل استحقاقاً وطنياً وأخلاقياً. فالدولة لا تُدار من خارج حدودها، والقيادة الحقيقية هي التي تكون في قلب المعركة، بين شعبها وجيشها، تشاركهم التحديات، وتقودهم نحو النصر، لا أن تكتفي بإدارة الملفات عن بُعد.
كما أن استكمال الجاهزية العسكرية، وتعزيز القدرات الدفاعية والهجومية، واستمرار العمليات الجوية واستهداف القدرات العسكرية للمليشيات الحوثية، يجب أن يكون جزءاً من رؤية متكاملة لاستعادة مؤسسات الدولة، وليس مجرد ردود فعل متفرقة لا تغيّر موازين الصراع بصورة حاسمة.
اليوم، لا يبحث اليمنيون عن وعود جديدة، بل عن قرار يعكس وضوح الرؤية وصلابة الإرادة. فالتاريخ يُكتب الآن، والفرص لا تتكرر، وكل لحظة تردد تمنح مليشيا الحوثي المدعومة من إيران وقتاً إضافياً لإطالة أمد الصراع وتعميق معاناة المواطنين.
إن ميزان تقييم قيادة الشرعية لم يعد يعتمد على البيانات السياسية، بل على جملة من المعايير الوطنية، في مقدمتها: الحضور في الداخل، والالتزام بالثوابت الوطنية والجمهورية، والالتحام بالشعب، والاستقلالية في القرار، والقدرة على استكمال توحيد الصف الوطني، والتنسيق مع قيادة التحالف، وكسب التأييد والدعم الدولي، وتحويل الفرصة المواتية إلى خطوات عملية تعزز مشروع استعادة الدولة.
ولعل السؤال الذي سيظل مطروحاً بإلحاح هو: هل ترتقي قيادة الشرعية إلى مستوى اللحظة التاريخية، وتتحمل مسؤولية القرار، أم تترك الفرصة تمضي كما مضت فرص كثيرة من قبل؟ ففي نهاية المطاف، لن يحكم التاريخ على النوايا، وإنما على القرارات التي صنعت الفارق، أو على التردد الذي أضاع الأوطان.